السؤال:

اعتنقت أنا وزوجي الإسلام منذ سنوات قليلة -والحمد لله -، ولقد وقعنا في حيرة مؤخراً: هل نظل كما نحن الآن في كندا بنية نشر الإسلام عن طريق الدعوة، أم نهاجر إلى ديار الإسلام؟ وعرفنا من بعض المتنورين في الدين أننا ما دمنا أسلمنا، فإن علينا أن ننتقل إلى حيث تقام تعاليم الدين الحنيف من قبل غالبية أهل البلد (يعني ديار الإسلام)، ولقد وقفنا على أحاديث للمصطفى - صلى الله عليه وسلم - تؤيد ذلك، فقد روى الترمذي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بريء ممن يعيش بين أظهر المشركين، وأمرهم بالهجرة إلى دار الإسلام، وقد روى ابن أبي شيبة في مصنفه أن الله - تعالى - لن يقبل عملاً من مشرك أسلم وظل يقيم بين أظهر المشركين إلا أن يفارقهم إلى دار الإسلام.ولكم أن تتخيلوا حالنا حين علمنا بهذين الحديثين لأول مرة في حياتنا، فهل هذان الحديثان صحيحان؟ أرجو التوضيح، وادعو لنا بالهداية والتوفيق.وجزاكم الله خيراً!

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..

الهجرة كانت واجبة في أول الإسلام إلى المدينة ، ثم نسخ الوجوب بقوله – صلى الله عليه وسلم -: “لا هجرة بعد الفتح ، ولكن جهاد ونية “[1]. وفي الحديث الصحيح عند البخاري ، وأبو داود، والنسائي من حديث أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – أن رجلاً سأل النبي – صلى الله عليه وسلم – عن الهجرة، فقال: ” ويحك إن شأنها شديد، فهل لك من إبل تؤدي صدقتها ؟ قال: نعم ، قال: فاعمل من وراء البحار ، فإن الله لن يَتِرَكَ من عملك شيئاً “[2].

وهكذا نقول لك ولزوجك: اعملوا من وراء البحار ، فإن الله لن يتركم من أعمالكم شيئاً ، فابذلوا جهدكم في دعوة من حولكم إلى الله ، ونشر العقيدة الصحيحة ، وكونوا قدوة حسنة في أخلاقكم ومعاملتكم، وتعاونوا مع إخوانكم المسلمين في هذا وفي غيره، وأدوا ما افترض الله عليكم من الواجبات. اللهم إلا إذا أتيحت لكم فرصة مناسبة للانتقال إلى بلد إسلامي ، يحقق لكم المزيد من المحافظة والالتـزام الإسلامي ، مع عدم الإخلال البين بمصالحكم الدنيوية ، فهذا طيب وحسن ، ولا أراه واجباً عليكم.

أما حديث ” أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين “[3]، الراجح أنه مرسل غير متصل ،كما رجحه البخاري، والترمذي، وأبو داود، وأبو حاتم، وحديث “لا يقبل الله من مشرك عملاً بعد ما أسلم، أو يفارق المشركين إلى المسلمين”[4] ، وهو من طريق بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، وهذا إسناد مشهور، وفيه اختلاف. فمنهم من قبله مطلقاً كيحى بن معين، وعلي بن المديني، ومنهم من رده كأبي عبد الله الحاكم، حيث يقول: “روايته عن أبيه عن جده شاذة لا متابع له فيها “.

وقال أبو زرعة :” صالح ، ولكنه ليس بالمشهور “.وقال أبو حاتم :” يكتب حديثه، ولا يحتج به[5] ، ولعل الأقرب أن يقبل منها ما وافق الثقات لا ما انفرد به.

وفي الحديث معنى غريب ، وهو عدم قبول عمله حتى يفارق المشركين ، ومثل هذا المعنى الكبير ينبغي التثبت فيه .

والله أعلم.

[1] – أخرجه البخاري (2783)، ومسلم (1864) من حديث ابن عباس – رضي الله عنهما -،

[2]- أخرجه البخاري (1452)، وأبو داود (2477)، والنسائي (4164).

[3]- رواه أبو داود (2645)، والترمذي ( 1/ 303 )، وغيرهما.

[4]- رواه النسائي (1/ 358)، وأحمد (5/ 5)

[5]-  انظروا للمزي (تهذيب الكمال 4/ 259).