السؤال:

كنت أعمل في إحدى المؤسسات، وقد استحققت مكافأة نهاية الخدمة وحصتي من صندوق التوفير، وعرضت علي المؤسسة أن آخذ مستحقاتي بقرض مع فائدة من البنك، والمؤسسة هي التي ستتحمل الفائدة، فما الحكم الشرعي في هذه القضية، أفيدونا؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..

فالربا من أكبر الكبائر، وتحريمه قطعي في كتاب الله تعالى وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وعليه يحرم على المسلم أن يكون طرفاً في أي عملية ربوية، ويحرم عليه أن يسهم في العملية الربوية بأي شكل من الأشكال، ويدخل في ذلك أن يأخذ قرضاً ربوياً، وإن لم يدفع هو الفائدة، بل دفعتها المؤسسة التي عمل فيها، كما ورد في السؤال، أو أي جهة أخرى، ولا شك أن من يفعل ذلك فإنه يكون مشاركاً في الربا.

هذا خلاصة ما أفتى به الشيخ الدكتور حسام عفانه –أستاذ الفقه وأصوله بجامعة القدس بفلسطين- وإليك نص فتواه:

فوائد البنوك هي الربا المحرم في كتاب الله عز وجل وفي سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، والربا من أكبر الكبائر وتحريمه قطعي في كتاب الله سبحانه وتعالى، وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم، قال الإمام الماوردي:[ أجمع المسلمون على تحريم الربا] الحاوي الكبير5/135.

والنصوص على تحريمه كثيرة منها:

قول الله سبحانه تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ. ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا. وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ. يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ} سورة البقرة الآيات 275 – 279.

وثبت في الحديث عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لعن الله آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء) رواه مسلم.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) رواه البخاري ومسلم.

وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: (رأيت الليلة رجلين أتياني فأخرجاني إلى أرض مقدسة، فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم فيه رجل قائم، وعلى وسط النهر رجل بين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر، فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فَرُدَّ حيث كان، فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان، فقلت: ما هذا؟ فقال: الذي رأيته في النهر آكل الربا) رواه البخاري.

وعن أبي جحيفة رضي الله عنه قال:(لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الواشمة والمستوشمة وآكل الربا وموكله ونهى عن ثمن الكلب وكسب البغي ولعن المصورين) رواه البخاري. وعن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال:(ما أحدٌ أكثر من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قلة) رواه ابن ماجة، ورواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد، وفي لفظ له قال:(الربا وإن كثر فإن عاقبته إلى قل) وقال فيه أيضاً صحيح الإسناد، وصححه العلامة الألباني في صحيح الجامع الصغير برقم 3542 وبرقم 5518.

وعن سلمان بن عمرو عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في حجة الوداع يقول:(ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع، لكم رؤوس أموالكم لا تَظلمون ولا تُظلمون…) رواه أبو داود وابن ماجة وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود 2/641-642.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال:(ليأتين على الناس زمانٌ لا يبالي المرء بما أخذ المال أمِن الحلال أم مِنَ الحرام) رواه البخاري.  وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال:(يأتي على الناس زمان يأكلون الربا، فمن لم يأكله، أصابه من غباره). رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة والحاكم في المستدرك وقال: قد اختلف في سماع الحسن عن أبي هريرة، فإن صح سماعه منه، فهذا حديث صحيح.

وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(الربا ثلاثة وسبعون شعبة أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه) رواه الحاكم وصححه وقال الشيخ الألباني: صحيح. انظر صحيح الجامع الصغير 1/633.

وعن عبد الله بن حنظلة رضي الله عنه – غسيل الملائكة – أنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:(درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشدُّ من ستٍّ وثلاثين زنية) رواه أحمد، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، مجمع الزوائد 4/117. وصححه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة 3/29.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:( إذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله)رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد وحسنه العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب 2/179.وغير ذلك من النصوص الحارمة للربا.وقد نقل الأئمة الإجماع على تحريم الربا انظر المجموع9/391.

إذا تقرر هذا التحريم القطعي للربا، فيجب أن يُعلم أنه يحرم على المسلم أن يكون طرفاً في أي عملية ربوية، ويحرم عليه أن يسهم في العملية الربوية بأي شكل من الأشكال، ويدخل في ذلك أن يأخذ قرضاً ربوياً، وإن لم يدفع هو الفائدة، بل دفعتها المؤسسة التي عمل فيها، كما ورد في السؤال، أو أي جهة أخرى، ولا شك أن من يفعل ذلك فإنه يكون مشاركاً في الربا.

وقد سبق قول النبي صلى الله عليه وسلم:(لعن الله آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء) رواه مسلم. ونلاحظ في هذا الحديث أن اللعن- ويعني الطرد من رحمة الله والعياذ بالله – شامل لآكل الربا، أي للآخذ له، ولمؤكله، أي المعطي للربا، وكذلك للكاتب للمعاملات الربوية، كما هو الحال في موظفي البنوك الربوية، وكذلك للشاهد، أي الذي يشهد على المعاملات الربوية، ويلحق بذلك من يسهم أي إسهام في العمليات الربوية، كالكفيل،ومن يشتري بما يسمى التقسيط الميسر عن طريق البنوك الربوية،ومدقق الحسابات ومن يقدم برامج الحاسوب ويركب أنظمة الحاسوب أو يقوم بصيانتها أو يقدم أي خدمة تسهم في الربا وغير ذلك من الخدمات أو المشاركات في العمليات الربوية. وقد علَّق الإمام النووي على قول الرسول صلى الله عليه وسلم:( لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء ) فقال:[هذا تصريح بتحريم كتابة المبايعة بين المترابيين والشهادة عليهما. وفيه: تحريم الإعانة على الباطل.] شرح النووي على صحيح مسلم 4/207.

ومما يدل على حرمة الإسهام في العملية الربوية بأي شكل من الأشكال قول الله تعال: { وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ }سورة المائدة الآية: 2.

ولا شك أن من يقترض بالفائدة وإن لم يدفعها يكون متعاوناً على هذه الكبيرة من كبائر الذنوب.

وثبت في الحديث عن أبى هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:( من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً) رواه مسلم. وورد في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية 15/5 السؤال التالي:[ ما المقصود بكاتب الربا في حديث جابر ( لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال: هم سواء . فهل كاتب الربا هو كاتب تلك الواقعة فقط؟ أم ممكن يكون أي فرد آخر بعيد تماماً عن المنشأة الربوية، إلا أنه بواقع عمله كمحاسب يقوم بجمع أرقام أو طرح أرقام في دفاتر أخرى غير المستندات الربوية، حيث يلزم ذلك، فهل يعتبر ذلك المحاسب كاتب ربا، أم اللفظ خاص بكاتب تلك الواقعة لا يتعدى لغيره ولا يتعدى اللعن لغيره؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً. الجواب: حديث لعن كاتب الربا عام، يشمل كاتب وثيقته الأولى، وناسخها إذا بليت، ومقيد المبلغ الذي بها في دفاتر الحساب، والمحاسب الذي حسب نسبة الربا وجمعها على أصل المبلغ، أو أرسلها إلى المودع ونحو هؤلاء.]

وخلاصة الأمر أنه يحرم شرعاً أخذ قرض ربوي بالفائدة وإن لم يدفعها الآخذ، لأن هذه العملية تعتبر مشاركة في الربا، وكل مشاركة في الربا فهي محرمة، لما في ذلك من التعاون على الإثم والعدوان وهي محرمة أيضاً بنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم:(لعن الله آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء)، فقوله ( هم سواء ) أي في الإثم[1].

والله أعلم.

[1] – نشرت الفتوى على موقع الدكتور حسام (يسألونك) بتاريخ 10 يناير 2010م