السؤال:

لقد قمت بمواقعة فتاة أعرفها وأريد خطبتها، وحملت مني وقمت أنا وأمها بإجهاض الجنين خوفا من أبيها، فما حكم الزواج منها الآن في الشرع جائز أم لا؟ حيث إني أشك بها وأمها تطالبني بتركها لأن حياتنا لن تستقر مع شكي بها؟

الجواب:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وبعد..

فكان ينبغي على السائل أن يبادر بالتوبة إلى الله ـ عز وجل ـ وإبداء الندم على الجريمتين العظيمتين اللتين ارتكبهما، وأولاهما جريمة الزنا، والثانية هي جريمة الإجهاض. وأن يظهر ذلك في سؤاله قبل كل شيء.

ونبدأ بالجريمة الأولى وهي الزنا،فإنه إن تاب صار صالحًا للزواج، وإن لم يتب، فقد قال تعالى في مثله: (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) –النور: 3-.

وقد اختلف أهل التفسير في هذه الآية، فمن ذلك ما قاله ابن كثير ـ رحمه الله ـ: “هذا خبر من الله تعالى؛ بأن الزاني لا يطأ إلا زانية أو مشركة، أي لا يطاوعه على مراده من الزنا إلا زانية، عاصية، أو مشركة لا ترى حرمة ذلك… عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: ليس هذا بالنكاح، إنما هو الجماع، لا يزني بها إلا زانٍ أو مشرك، وهذا إسناد صحيح عنه، وقد روي عنه من غير وجه أيضًا، وقد روي عن مجاهد، وعكرمة وسعيد بن جبير، وعروة بن الزبير، والضحاك، ومكحول، ومقاتل بن حيان، وغير واحد، نحو ذلك. “انظر تفسير ابن كثير 6/9”.

فواضح من كلام ابن كثير الذي اختصرناه أن العلماء اختلفوا في المراد بالنكاح في هذه الآية، فقال جماعة: المراد بالنكاح في هذه الآية الوطء الذي هو الزنا.

وقال جماعة أخرى: إن المراد النكاح هو عقد النكاح، أي التزويج لا الوطء، وقد اختلف العلماءُ بناءً على ذلك في جواز نكاح العفيف من الزانية، ونكاح العفيفة من الزاني، ذهب جماعة من أهل العلم منهم الأئمة الثلاثة إلى جواز نكاح الزانية مع الكراهة التنزيهية عند مالك وأصحابه، ومن وافقهم، واحتج أهل هذا القول بأدلة منها: قوله تعالى: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) –النساء: 24-.

فهو شامل بعمومه، الزانية والعفيفة، ومنها قوله تعالى: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ) –النور:32- وهو شامل بعمومه الزانية والعفيفة أيضًا، ومنها حديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ : “أن رجاء جاء إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: إن امرأتي لا ترد يد لامس، قال: “غربها”، قال: أخاف أن تتبعها نفسي، قال: “فاستمتع بها” رواه أبو داود والترمذي، والبزار، ورجال ثقات.

والخلاصة.. أنه يجب التوبة أولاً على هذا الأخ السائل قبل أن يسأل عن حكم الزواج، فإن تاب إلى الله ـ عز وجل ـ فيجب أيضًا أن تتوب الفتاة، التي يريد الزواج بها، وعندها يجوز لهما الزواج.. فإن لم يحدثا توبة فإنهما على خطر عظيم.

وأما الجريمة الثانية: فهي جريمة الإجهاض، وهي جريمة عظيمة، ولم يبين لنا السائل متى كان الإجهاض؟ هل كان في الأشهر الأولى للحمل أم كان بعد نفخ الروح؟

ولا شك أن الإجهاض جريمة في الحالتين، ويشتد الإثم إن كان بعد الشهر الرابع؛ لأنه يعد جريمة قتل لنفس إنسانية بغير حق، وقد اشترك هو وهذه الفتاة وأمها في هذه الجريمة البشعة وعليهم جميعا بعد التوبة إلى الله سبحانه وتعالى أن يدفعوا دية هذا الجنين –إن كان الإجهاض بعد نفخ الروح- ودية الجنين هي عشر دية أمه، والراجح أن دية المرأة كدية الرجل، فيكون المطلوب دفعه منهم مشتركين هو عشر نوق من الإبل أو ما يعادل مائة دينار من الذهب، ويوزع على الورثة من غير المشتركين في الجريمة.

فقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية – رَحمه اللّه -:

عن رجل قال لزوجته‏ :‏ أسقطي ما في بطنك والإثم عليَّ ، فإذا فعلتْ هذا وسمعتْ منه ، فما يجب عليهما من الكفارة‏؟ .‏

فأجاب‏ :‏

إن فعلتْ ذلك: فعليهما كفارة عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجدا فصيام شهرين متتابعين وعليهما غرة عبد أو أمة لوارثه الذي لم يقتله، لا للأب فإن الأب هو الذي أمر بقتله فلا يستحق شيئا. أ.هـ

وقوله (غرة عبد أو أمة) هذه هي عشر دية الأم كما ذكرنا.

والله أعلم.