السؤال:

كنت أسير بسيارتي الخاصة على الطريق الدائري( وهو من الطرق السريعة عندنا في مصر) فإذا بي أجد شخصا قد صدمته سيارة وهربت ، وهو ملقى على الطريق بين الحياة والموت فلم أبال به واستمررت في طريقي إلى بيتي .    ولما أصبح الصباح وذهبت إلى العمل ونحن نتناول الإفطار مع زملائي أخذت أقص عليهم ما حدث، فأنكر علي بعض أصحابي من أهل العلم موقفي، وأضاف : إنني آثم بهذا الأمر، بل وأعرض للقصاص إن مات ذلك الأخ المجروح.    غير أنني رددت عليه كلامه، فالذي أعلمه من ديني أن هذا من مكارم الأخلاق لا من الواجبات، فمن منا على حق؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :

أجمع الفقهاء على أن من وجد شخصا محتاجا للإغاثة في نفسه أو بدنه  وجب على من  علم به من المسلمين وقدر على إغاثته أن يغيثه ويسد حاجته، فمن ضن بنفسه ووقته وماله فقد باء بإثم عظيم، وتعلقت برقبته مظلمة من مظالم العباد لا تكفرها صلاة ولا صيام، وهذا الوجوب يتوجه إلى جميع من يعلم بالمستغيث ويقدر على إغاثته ، فإن قام بهذا الواجب واحد منهم نال هو الأجر ورفع عنهم الحرج والعقاب، وإن ضنوا جميعا أثموا جميعا ولو كانوا ألف رجل.

وفيما وراء عقوبة الآخرة اختلف العلماء في عقوبة الدنيا هل يضمن ما تلف بسبب ضنانته من نفس ومال أم لا ؟

إن الإسلام ينظر إلى المسلمين جميعا على أنهم جسد واحد، ينصر بعضهم بعضا، ويواسي بعضهم بعضا، ويعطي الغني منهم الفقير، ولذلك شرع الزكاة وجعلها ركنا من أركان الإسلام، لا يصح إسلام  غني ضنين بها،وأوجب على من التقط لقطة لأخيه المسلم أن يبحث عنه سنة كاملة في الأماكن التي يتوقع عثوره عليه فيها،فعن زيد بن خالد قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن اللقطة فقال : ” اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها ” . قال : فضالة الغنم ؟ قال : ” هي لك أو لأخيك أو للذئب ” قال : فضالة الإبل ؟ قال : ” مالك ولها ؟ معها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها “متفق عليه. ولم يجعل الإسلام هذا من مكارم الأخلاق ومحاسن العادات وجميل الخصال، بل جعله فرضا لازما وواجبا محتوما.

أما الذي جعله الإسلام من جملة المستحبات، هو أن يعود صاحب السيارة على من يقفون بالطرقات انتظارا للحافلات العامة فيعود عليهم بفضل سيارته فيقلهم معه احتسابا للأجر عند الله، روى مسلم بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: بينما نحن في سفر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل على راحلة فجعل يضرب يمينا وشمالا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له” قال: فذكر من أصناف المال حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل.وهذا ما يتفاوت فيه الناس، فمنهم من يبحث عمن يقلهم معه بحثه عن الماء البارد، ومنهم من لا يفعل ذلك إلا حياء ودفعا للمذمة، ومنهم من يفعله  على وجه التبرم والمنة، ومنهم من لا يفعله أصلا.

من هنا يمكننا أن نفهم النظرية الإسلامية في التضامن الاجتماعي والمادي بين المسلمين، فهي مبنية على تفتيت الأخطار والمضار، لا على تحميلها على صاحبها وحده.

وتساوقا مع هذه المبادئ أجمع الفقهاء على أن من وجد شخصا محتاجا للإغاثة في نفسه أو بدنه  وجب على من  علم به من المسلمين وقدر على إغاثته أن يغيثه ويسد حاجته، فمن ضن بنفسه ووقته وماله فقد باء بإثم عظيم، وتعلقت برقبته مظلمة من مظالم العباد لا تكفرها صلاة ولا صيام كما هو الشأن في مظالم العباد عموما، وهذا الوجوب يتوجه إلى جميع من يعلم بالمستغيث ويقدر على إغاثته ، فإن قام بهذا الواجب واحد منهم نال هو الأجر ورفع عنهم الحرج والعقاب، وإن ضنوا جميعا أثموا جميعا ولو كانوا ألف رجل.

وفيما وراء عقوبة الآخرة اختلف العلماء في عقوبة الدنيا هل يضمن ما تلف بسبب ضنانته من نفس ومال أم لا ؟

جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية :

– التفريط في إنقاذ حياة الغير : [1]

من فرط في إنقاذ حياة إنسان كأن رآه في مهلكة ، فلم يمد له يد العون مع قدرته على ذلك ، فهلك الإنسان ، فإنه آثم لا محالة لوجوب المحافظة على الأنفس ، واختلفوا في ترتب الضمان عليه في ذلك .

فذهب الجمهور ( الحنفية والشافعية والحنابلة في وجه ) إلى أنه لا ضمان عليه لأنه لم يهلكه ، لا عن طريق المباشرة ، ولا عن طريق التسبب . وذهب المالكية والحنابلة في وجه إلى وجوب الضمان عليه ، لأنه لم ينجه من الهلاك مع إمكانه . انتهى.

وجاء في الموسوعة الطبية الفقهية للدكتور أحمد محمد كنعان (رئيس قسم الأمراض المعدية بإدارة الرعاية الصحية الأولية بالمنطقة الشرقية في السعودية[2]:-

يجب على مَنْ وَجَدَ شخصاً بحالةٍ تتطلب الإسعافَ العاجلَ ، ولم يوجد غيره للقيام بهذه المهمة ، أن يقدِّم له ما يستطيع من مساعدةٍ إن كان قادراً عليها ، أو ينقله إلى أقرب طبيب أو مستشفى أو مركز صحي أو عيادة لكي يتلقى الإسعاف اللازم ، ولا يمنعه من ذلك قيامه ببعض العبادات لأن العبادة يمكن تأجيلها أو قضاؤها ، أما التَّواني عن إسعاف المصاب فقد يسبب تفاقم علَّته أو ينتهي به إلى الهلاك ! قال ابن عابدين : ( المصلي متى سمع أحداً يستغيثُ وإنْ لم يقصدْهُ بالنِّداءِ ، أو كانَ أجنبيَّاً وإنْ لم يَعْلَمْ ما حَلَّ بهِ ، أو عَلِمَ وكانَ لَهُ قُدْرَةٌ على إغاثتِهِ وتخليصِهِ ، وَجَبَ عليه إغاثتُهُ وقَطْعُ الصَّلاةِ ، فرضاً كانت أو غيره ) ، فإن كان هناك عدَّةُ أشخاصٍ ووجدوا شخصاً يحتاج إلى إسعافٍ ، وَجَبَ إسعافُهُ على قَدْر الكفاية منهم ، ويسقط عن الباقين ، فإذا امتنعوا جميعاً عن إسعافه أثِموا كلُّهم .

ويأثم من امتنع عن إسعاف المصاب أو إغاثة الملهوف إن كان يقدر على ذلك ، لكنه لا يتحمل المسؤولية عن امتناعه ، وهذا هو مذهب جمهور الفقهاء ، لأن امتناعه لم يكن سبباً في الحادث ، وقد ذهب شُرَّاح القانون الوضعي لمثل هذا أيضاً ، فقالوا : ( إن الجريمةَ الإيجابيَّةَ ، كالقتل مثلاً لا تقع بالترك ، كترك المريض يموت مثلاً ، إلا إذا كان هناك التزامٌ قانونيٌّ أو تَعاقُديٌّ يقع على عاتِقِ فاعلِ التَرْكِ يَفْرِضُ عليهِ القيامَ بالعمل ).

أما المالكية وأبو الخطاب من الحنابلة فقد ذهبوا إلى أنه يتحمل المسؤوليةَ ، لأنه لم يسعف المصاب مع إمكانه أن يسعفه ، فإذا ما نظرنا إلى المسألة بميزان الثواب والعقاب كان حَرِيَّاً بالمسلم ( والطبيب بخاصة ) أن لا يتوانى عن مساعدة الآخرين ، وعليه أن يبذل غايةَ ما يستطيع في ذلك ، ليسَ خوفاً من العقوبة ، بل طمعاً بمثوبة الله تعالى.

والله أعلم.

[1]- الموسوعة الفقهية (13/85)

[2]- الموسوعة الطبية الفقهية ، طبعة دار النفائس، ص(78)