السؤال:

ماذا نصنع في ليبيا، وقد رأيتم هذا العام أننا خالفنا البلاد الإسلامية والعربية، فكان عيدنا يوم الخميس ووقفة عرفات يوم الأربعاء، بينما عيد المسلمون يوم الجمعة ، ووقف الحجيج بعرفات يوم الخميس، أي يوم نصوم لعرفة ، وأي يوم نصلي العيد ونذبح أضاحينا؟؟؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :

ليبيا عادة تخالف الدول العربية والإسلامية في إثبات الشهور الهجرية، مما يجعل قلوب أهلها منشطرة نصفين ، نصفا على صعيد عرفات وعيد عموم المسلمين ونصفا على العيد الفريد في بلدهم، وهذا عرضها للغمز واللمز حتى من بين أهلها، والذي نعلمه أن مخالفة ليبيا لبقية الدول ليس تشهيا ولا عنادا ، ولكن لأن ليبيا تعتبر لحظة الاقتران دليلا على ثبوت الشهر، مع أن الفلكيين أنفسهم يقرون بأنه لا تلازم بين لحظة الاقتران ومولد الهلال ، هذا وقد كان المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث قد أخذ بمثل هذا ثم رجع عنه.

على العموم أنا أفتي في مثل هذا بموافقة الدولة في صومها وفطرها ، مع أنني لا أعتمد لحظة الاقتران أساسا لثبوت الشهر إلا مع إمكان الرؤية، فلماذا إذا أفتي بذلك؟

ذلك أن العلماء اختلفوا فيمن رأى الهلال بعينيه ثم لم تأخذ برؤياه الدولة ، فهل يصوم تبعا لرؤياه ويفطر تبعا لها أم يصوم تبعا لرؤية الدولة التي يجزم بخطئها؟

اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال ، والذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية من هذه الأقوال هو أنه لا يصوم تبعا لرؤياه ويفطر تبعا لها ، ولكنه يصوم تبعا لرؤية الدولة التي يجزم بخطئها مع أن شيخ الإسلام ابن تيمية لم يكن ليبيا، فلماذا إذن قال ذلك؟؟؟

والحق أنه ليس أول قائل بذلك، بل سبقه إليه علماء أجلة، وهو اختار هذا القول لقول النبي صلى الله عليه وسلم” الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون[1]” أي أن الشهر بدايته ونهايته عند الله ليس منوطا بالهلال ، ولكنه منوط بتوافق المسلمين على ما يظنونه هلالا.

وهذا فضلا عن أن العلماء الأقدمين الذين رأوا أن لكل بلد مطلعها، لم يفرقوا في ذلك بين شهر رمضان وبين شهر ذي الحجة، ولكنهم اعتبروا أن لكل دولة مطلعها في كل شهر هجري.

وقضية اختلاف المطالع قضية خلافية ، اختلف فيها الأولون والمعاصرون ، حتى إن المجامع الفقهية نفسها اختلفت فيها ، ففي الوقت الذي رأينا فيه مجمع البحوث الإسلامية بمصر ومجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي يلغيان اختلاف المطالع..في هذا الوقت نجد أن المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي يرى أن لكل بلد مطلعه!!!

ونسجل هنا كلمات نيرة جاءت في بيان مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا الشمالية ، فقد جاء فيه :-

هذه هي جملة الاختلافات الفقهية الواردة في هذا الباب، وجلها من مسائل الاجتهاد، والخلاف الوارد فيها خلاف معتبر، والأصل في مسائل الاجتهاد أن لا يضيق فيها على المخالف، وأن لا تكون سببا في قطيعة أو تهاجر، وقد اتفقت المجامع كلها وأهل الفتوى كافة أن على المسلم أن يتبع الموقف الاجتهادي الذي يتخذه أصحاب النظر في بلده، أيا كانت موافقته أو مخالفته لما يعتقده راجحا، لأن الصوم يوم يصوم الناس، والفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس.

إن قضية ثبوت الأهلة قضية سلطانية في المقام الأول،بمعنى أنه لا يحسم الخلاف الوارد فيها إلا جهة ذات سلطان، تستطيع بسلطانها أن تنفذ قرارها على الناس كافة، وتصبح مخالفتها في هذه الحالة صورة من صور الشذوذ والمنابذة والبغي..

والله أعلم.