السؤال:

أُصبتُ في حادث وأغمي عليَّ لمدة أسبوع، فهل يلزمني قضاء ما فاتني من الصلوات، أفيدونا؟

الجواب:

قضاء المغمى عليه ما فاته من الصلوات مسألة لم يرد فيها نص، وقد اختلفت فيها أقوال أهل العلم، والراجح أن المغمى عليه لا يجب عليه قضاء الصلوات الفائتة، ولكن الأحوط أن يقضي ما فاته، وخاصة إذا كانت الفوائت قليلة، وأما إذا كانت الفوائت كثيرة، فالأحوط أن يصلي مع كل صلاة حاضرة، صلاة فائتة حتى يغلب على ظنه أن قد قضى ما عليه، فهذا أبرأ للذمة.

هذا خلاصة ما أفتى به الشيخ الدكتور حسام عفانة –أستاذ الفقه وأصوله بجامعة القدس بفلسطين- وإليك نص فتواه:

قرر الأصوليون أن الإغماء من العوارض السماوية التي تعترض على أهلية الإنسان فتؤثر فيها، والإغماء هو فتور يزيل القوى ويعجز به ذو العقل عن استعماله مع قيامه حقيقة، كما في كشف الأسرار شرح أصول البزدوي، والإغماء يفقد الإنسان الحس والحركة، وهو من موانع من التكليف كما هو مقرر عند الأصوليين.

وقد اختلف أهل العلم في قضاء العبادات التي مضى وقتها على الإنسان وهو مغمىً عليه، ولهم في ذلك عدة اجتهادات، وينبغي أن يعلم أن المسألة ليس فيها نص، وأفصل الكلام هنا على مسألة قضاء الصلاة الفائتة في حق المغمى عليه كما ورد في السؤال، فمن العلماء من قال إنه لا قضاء على المغمى عليه، وهذا قول المالكية والشافعية وأهل الظاهر، ونقل عن الزهري والحسن البصري وابن سيرين وربيعة وغيرهم، وذهب الحنفية إلى أن المغمى عليه يقضي الصلوات الفائتة إذا كان عددها خمساً فأقل، وأما الحنابلة فالمذهب عندهم وجوب قضاء الفوائت كلها.

قال الإمام النووي:[من زال عقله بسبب غير محرم، كمن جُنَّ أو أغمي عليه أو زال عقله بمرض أو بشرب دواء لحاجة أو أكره على شرب مسكر فزال عقله، فلا صلاة عليه، وإذا أفاق فلا قضاء عليه بلا خلاف – أي في المذهب الشافعي – للحديث – ” رفع القلم عن ثلاثة ” – سواء قل زمن الجنون والإغماء أم كثر، هذا مذهبنا، وقال أبو حنيفة رحمه الله، إن كان الإغماء دون يوم وليلة لزمه قضاء ما فات فيه، وان كان أكثر فلا، ونقل ابن حزم عن عمار بن ياسر وعطاء ومجاهد وإبراهيم النخعي وحماد بن أبي سليمان وقتادة أن المغمى عليه يقضي، دليلنا القياس على المجنون وعلى ما فوق يوم وليلة ] المجموع 3/6-7.

وقال‏ الشيخ ابن قدامة المقدسي في شرح قول الخرقي:‏[‏والمغمى عليه يقضى جميع الصلوات التي كانت في حال إغمائه‏]‏ قال: وجملة ذلك أن المغمى عليه حكمه حكم النائم، لا يسقط عنه قضاء شيء من الواجبات التي يجب قضاؤها على النائم كالصلاة والصيام، وقال مالك والشافعي‏:‏ لا يلزمه قضاء الصلاة إلا أن يفيق في جزء من وقتها، لأن عائشة ‏(‏سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يُغمى عليه‏،‏ فيترك الصلاة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏ليس من ذلك قضاء إلا أن يغمى عليه فيفيق في وقتها‏‏ فيصليها‏)،‏ وقال أبو حنيفة‏:‏ إن أغمى عليه خمس صلوات قضاها، وإن زادت سقط فرض القضاء في الكل، لأن ذلك يدخل في التكرار، فأسقط القضاء‏ كالجنون.‏ ولنا ما روي أن عماراً غُشي عليه أياماً لا يصلي ثم استفاق بعد ثلاث‏‏ فقال‏:‏ هل صليت‏؟‏ فقيل‏:‏ ما صليت منذ ثلاث، فقال‏:‏ أعطونى وضوءً فتوضأ ثم صلى تلك الليلة، وروى أبو مجلز‏‏ أن سمرة بن جندب قال‏:‏ المغمى عليه – يترك الصلاة أو فيترك الصلاة – يصلي مع كل صلاة، صلاة مثلها، قال‏:‏قال عمران‏:‏ زعم‏،‏ ولكن ليصلهن جميعاً، وروى الأثرم هذين الحديثين في ‏سننه، وهذا فعل الصحابة وقولهم، ولا نعرف لهم مخالفاً فكان إجماعاً، ولأن الإغماء لا يسقط فرض الصيام‏،‏ ولا يؤثر في استحقاق الولاية على المغمى عليه فأشبه النوم، فأما حديثهم فباطلٌ يرويه الحاكم بن سعد، وقد نهى أحمد رحمه الله‏ عن حديثه، وضعفه ابن المبارك، وقال البخاري‏:‏ تركوه، وفي إسناده خارجة بن مصعب. ولا يصح قياسه على المجنون، لأن المجنون تتطاول مدته غالباً،‏ًًًًًًً‏ وقد رفع القلم عنه، ولا يلزمه صيام ولا شيء من أحكام التكليف‏،‏ وتثبت الولاية عليه، ولا يجوز على الأنبياء عليهم السلام والإغماء بخلافه‏,‏ وما لا يؤثر في إسقاط الخمس لا يؤثر في إسقاط الزائد عليها كالنوم‏.] المغني ‏1/290-291.

وقد وردت عدة آثار عن الصحابة والتابعين في المسألة في القضاء وفي عدمه، فمن ذلك ما رواه الدارقطني في سننه عن يزيد مولى عمار بن ياسر: أغمي عليه في الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فأفاق نصف الليل، فصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء. ورواه البيهقي في المعرفة، وقال: قال الشافعي: هذا ليس بثابت عن عمار، ولو ثبت، فمحمول على الاستحباب، قال البيهقي: وعليه أن راويه يزيد مولى عمار مجهول، والراوي عنه إسماعيل بن عبد الرحمن السدي، كان يحيى بن معين يضعفه. وكان يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي لا يريان به بأساً، ولم يحتج به البخاري انتهى. انظر نصب الراية 2/177.

وقال ابن أبي شيبة: [ما يعيد المغمى عليه من الصلاة، ثم روى بأسانيده عن السدي عن رجل يقال له يزيد عن عمار بن ياسر أنه أغمي عليه الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فأفاق في بعض الليل فقضاهن، وعن أبي مجلز قال: قيل لعمران بن حصين إن سمرة بن جندب يقول في المغمى عليه يقضي مع كل صلاة مثلها، فقال عمران ليس كما يقال يقضيهن جميعاً.

وعن نافع عن ابن عمر أنه أغمي عليه أياماً فأعاد صلاة يومه الذي أفاق فيه ولم يعد شيئاً مما مضى.

وعن نافع عن ابن عمر أنه أغمي عليه، قال وكيع أُراه قال شهراً فصلى صلاة يومه.

وعن طاووس ومجاهد أنهم قالوا في المغمى عليه يقضي صلاته كما يقضي رمضان.

وعن إبراهيم قال يقضي صلاة يومه الذي أفاق.

وعن هشيم قال أخبرنا مغيرة عن إبراهيم قال سألته عن المغمى عليه إذا أفاق، قال: يقضي صلاته يومه الذي أفاق فيه.

وعن الحسن أنه كان يقول إذا أغمي على رجل صلاتين لم يعد، وإذا أغمي عليه صلاة واحدة أعادها.

وعن إبراهيم قال كان يقول في المغمى عليه إذا أغمي عليه يوم وليلة أعاد، وإذا كان أكثر من ذلك لم يعد.

وعن الحكم قال إذا أغمي على الرجل أياماً ثم أفاق قضى صلاته يومه وليلته.

وعن مُجَشر – بن شاكر- أن ميموناً كان يرى أن يقضي الرجل المغمى عليه الصلاة كما يقضي الصوم.

ثم قال ابن أبي شيبة: [من قال ليس عليه إعادة، ثم روى بأسانيده عن ابن سيرين قال أغمي عليه أياماً فلم يعد شيئاً.

وعن الضحاك قال أغمي عليه صلوات، فقيل له إنه قد ذهب منذ كذا وكذا صلاة قال فقال لم يذهب مني شيء ولم يعد.

وعن الحسن قال المغمى عليه يقضي الصيام ولا يقضي الصلاة كما أن الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة.

وعن عامر قال المغمى عليه لا يقضي، أستنُ بأمهات المؤمنين لم يكنَّ يقضين في حيضهن.

وعن الحسن قال المغمى عليه لا يقضي، قال وأغمي على ابن سيرين أياماً فلم يقض.

وعن نافع عن ابن عمر أنه أغمي عليه يومين فلم يقض. وعن الزهري في المغمى عليه قال ليس عليه إعادة.

وقال وكيع والذي يأخذ به الناس الذي يغمى عليه أياماً لا يقضي إلا صلاة يومه الذي أفاق فيه، مثل الحائض والذي يغمى عليه يوم واحد يقضي صلاته ذلك اليوم.] مصنف ابن أبي شيبة 2/268-270.

وروى معظم هذه الآثار أيضاً عبد الرزاق في المصنف2/479-480.

ويظهر للمدقق في هذه الآثار أن المسألة اجتهادية، فقد قاسها بعض التابعين على الحيض، فكما أن الحائض لا تقضي الصلاة فكذلك المغمى عليه لا يقضي ما فاتة من الصلوات، بجامع أن كلاً من الحيض والإغماء من العوارض السماوية التي لا إرادة للإنسان فيها، ومن أهل العلم من ألحق المغمى عليه بالمجنون، وبناءً على ذلك القياس قالوا لا قضاء على المغمى عليه، ومنهم من ألحقه بالنائم، فأوجب القضاء عليه، والذي يظهر لي أن إلحاق المغمى عليه بالنائم غير مسلَّم.

قال الشيخ العلامة العثيمين:[فإذا نظرنا إلى التَّعليل وجدنا أنَّ الرَّاجح قول من يقول: لا يقضي مطلقاً؛ لأنَّ قياسه على النَّائم ليس بصحيح، فالنَّائم يستيقظ إذا أُوقِظَ، وأمَّا المُغمى عليه فإنَّه لا يشعر. وأيضاً: النَّوم كثير ومعتاد، فلو قلنا: إنَّه لا يقضي سقط عنه كثير من الفروض. لكن الإغماء قد يمضي على الإنسان طولُ عمره ولا يُغمى عليه، وقد يسقط من شيء عالٍ فيُغمى عليه، وقد يُصاب بمرضٍ فيُغمى عليه. وأما قضاء عمَّار – إن صحَّ عنه – فإنَّه يُحمل على الاستحباب، أو التَّورُّعِ، وما أشبه ذلك ] الشرح الممتع 2/10.

وقال الحافظ ابن عبد البر: [وأما قول من قال يقضي المغمى عليه إذا أغمى عليه خمس صلوات فدون ولا يقضي أكثر، فقول ضعيف لا وجه له في النظر، لأنه تحكم لا يجب امتثاله، إلا لو كان قول من يجب التسليم له، وأصح ما في هذا الباب في المغمى عليه يفيق، أنه لا قضاء عليه لما فاته وقته، وبه قال ابن شهاب والحسن وابن سيرين وربيعة ومالك والشافعي وأبو ثور وهو مذهب عبد الله بن عمر أغمى عليه فلم يقض شيئاً مما فات وقته وهذا هو القياس عندي والله اعلم] التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد 3/290.

وخلاصة الأمر أن الراجح من أقوال أهل العلم أن المغمى عليه لا يجب عليه قضاء الصلوات الفائتة، ولكن الأحوط أن يقضي ما فاته، وخاصة إذا كانت الفوائت قليلة، وأما إذا كانت الفوائت كثيرة، فالأحوط أن يصلي مع كل صلاة حاضرة، صلاة فائتة حتى يغلب على ظنه أن قد قضى ما عليه، فهذا أبرأ للذمة.