السؤال:

زوجي لا يعيطيني مال وأنا أريد نقودا في جيبي ويقول : إن أي شيئ أطلبه منه سوف يشتريه هو لي، لكني اريد بعض النقود في جيبي مع أن المبلغ الذي طلبته ليس كبيرا، ويقول :إنه فقط ملزم بمطعمي وشرابي وأي شيء أطلبه سوف يأتي به، ولكن أريد مالي الخاص الذي اتصرف به بحريتي، وإذا أردت أن أتصدق به لا أريد إخباره. فما حكم ذلك؟

الجواب:

بسم الله ،والحمد لله،والصلاة والسلام على رسول الله ،وبعد: –

الواجب على الزوج هو تمكينك من المسكن والغذاء والدواء والكساء، فإذا قام بذلك فقد أدى ما عليه، بمعنى أنه لا يأثم فيما وراء ذلك، وبين يديك الصداق الذي قدمه لك تصنعين به ما شئت وكذا مؤخر الصداق .

 هذه هي مقاطع الحقوق، وتحديدها مهم جدا لمعرفة المفرط من المسدد، وحتى تعلم حدود الله فلا يتم تجاوزها. ووراء هذه المقاطع الحدّيّة يبقى الود والحب وحسن العشرة، وهذه الأشياء تستخرج من مال الزوج فوق الواجب بكثير ، فمثلا إحجاج الزوجة ليس واجبا على الزوج، ولكن حسن عشرة الزوجة لزوجها يحمله نفسيا على إحجاجها معه إن كان قادرا. فما لا يستخرج بالأحكام يستخرج بالإدلال.

جاء في كتاب الأحوال الشخصية للشيخ الدكتور محمد أبو زهرة – رحمه الله-:[1]

وجوب النفقة قسمان : وجوب تمكين ، ووجوب تمليك، فوجوب التمكين يكون بأن يعد لها النفقة بأنواعها الثلاثة، فيقدم لها الطعام الذي تحتاج إليه، والكسوة التي تليق به، ويعد المسكن الذي تسكنه.

والأصل في الوجوب هو هذا التمكين، فإن لم يكن انتقل الوجوب إلى التمليك، وهو أن يقدر مقدارا من المال، يكفي طعامها وكسوتها وسكنها، وتعطى ذلك المقدار كل شهر أو كل أسبوع على حسب اتفاقهما ، أو علىحسب العرف الذي يسير عليه حكم القضاء بها، وتقدر النفقة في هذه الحال على حسب الأحوال غلاء ورخصا، وتختلف باختلاف الأماكن والأقاليم، وإذا قدر مقدار بفرض القضاء أو بتراضيهما، ثم حالت الأحوال فتبين أنه أقل من كفايتها ، فلها طلب الزيادة، كما أن له أن يطلب نقص المفروض إذا تغيرت الأحوال عن وقت الفرض، وصار أكثر من الواجب عليه.

أساس التقدير :

ولكن هل يلاحظ عند التقدير حال الزوج أم حالهما؟ في مذهب أبي حنيفة رأيان مصححان :

أحدهما :أنه يعتبر حالهما، ومقتضى هذا الرأي أنهما إن اتفقا في اليسار كان الواجب نفقة اليسار، وإن اتفقا في الإعسار كان الواجب نفقة الإعسار، وإن كان أحدهما موسرا ، والآخر معسرا كانت النفقة الواجبة بين اليسار والإعسار.

ثانيهما :أن النفقة تقدر على حسب حاله يسارا وإعسارا، لقوله تعالى : ” لينفق ذو سعة من سعته ، ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله ”

وقد كان العمل في المحاكم على الرأي الأول؛ لأنه الراجح عند المتأخرين، ولما صدر القانون رقم (25) لسنة 1929 أوجب العمل بالرأي الثاني.

والجاري عليه العمل الآن في المحاكم المصرية أنه تفرض النفقة كل شهر ليسر الشهر على أكثر الناس، ويفرض القاضي النفقة كلها ، مقدرة بمقدار كل شهر، وتكون بدل طعامها وكسوتها وأجرة مسكنها، إن لم يكن قد أعد لها مسكنا.

ثم قال:

والأصل في وجوب النفقة هو وجوب التمكين، ولا يصح الانتقال إلى وجوب التمليك إلا إذا تبين أن الزوج لاينفق عليها، ولايمكنها من النفقة، ولذلك قرر الفقهاء أن الزوجة إذا شكت إلى القاضي أن زوجها لا ينفق عليها، وطلبت فرض نفقة لها، أنه لا بد من أن يثبت لديه أنه لا ينفق عليها، ولا يمكنها من النفقة، فإن ثبت أنه يمكنها من النفقة أو يعطيها كل ما تحتاج إليه يرفض دعواها؛ لأن الأصل هو التمكين.

 والله أعلم .

[1] – الأحوال الشخصية (240، وما بعدها) الطبعة الثانية ، طبعة دار الفكر ، سنة1950م