السؤال:

مات قريب لنا وعندما ذهبنا لكي ندفنه تبعتنا بعض نساء القبيلة في سيارات خاصة وانتظروا بعيدا ثم بعد ذلك خرج شاب عليهم صائحا بأنهم قد ارتكبوا حراما، ونريد أن نعرف وجه الحق في المسألة؟

الجواب:

فاتباع النساء للجنائز إن كن متأدبات بالآداب الشرعية مسألة خلافية بين أهل العلم، هناك من أجازها بكراهة كالشافعية مثلا، وهناك من أجازها بلا كراهة كالمالكية، الذين أجازوه للنساء ولكنهم استثنوا المرأة الشابة من هذا وجعلوا حكمها الكراهة. أما الحنفية فذهبوا إلى المنع، أما ابن حزم، فقد ذهب إلى عدم كراهة خروج المرأة إلى اتباع الجنازة مطلقا.

قال ابن حزم -رحمه الله- في المحلى:

لا نكره اتباع النساء الجنازة، ولا نمنعهن من ذلك.

جاءت في النهي عن ذلك آثار ليس منها شيء يصح، لأنها: إما مرسلة، وإما عن مجهول، وإما عمن لا يحتج به. وأشبه ما فيه ما رويناه من طريق مسلم: نا إسحاق بن راهويه نا عيسى بن يونس عن هشام عن حفصة عن أم عطية قالت: ” نهينا عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا. وهذا غير مسند؛ لأننا لا ندري من هذا الناهي  ولعله بعض الصحابة ثم لو صح مسندا لم يكن فيه حجة، بل كان يكون كراهة فقط.

بل قد صح خلافه كما روينا من طريق ابن أبي شيبة: نا وكيع عن هشام بن عروة عن وهب بن كيسان عن محمد بن عمرو بن عطاء عن أبي هريرة ” أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كان في جنازة فرأى عمر امرأة، فصاح بها فقال له رسول الله – صلى الله عليه وسلم – دعها يا عمر فإن العين دامعة، والنفس مصابة، والعهد قريب “[1]. وقد صح عن ابن عباس: أنه لم يكره ذلك.

وقد بوب الإمام البخاري بابا في صحيحه بعنوان: باب اتِّبَاعِ النِّسَاءِ الْجَنَائِزَ، روى فيه عَنْ أُمِّ الْهُذَيْلِ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ – رضى الله عنها – قَالَتْ نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا.

جاء في شرح ابن بطال:

قال ابن المنذر: روينا عن ابن مسعود، وابن عمر، وأبى أمامة، وعائشة أنهم كرهوا للنساء اتباع الجنائز، وكره ذلك أبو أمامة، ومسروق، والنخعى، والحسن، ومحمد بن سيرين، وهو قول الأوزاعى، وأحمد، وإسحاق، وقال الثورى: اتباع النساء الجنازة بدعة.

وروى جواز اتباع النساء الجنازة عن ابن عباس، والقاسم، وسالم، وعن الزهرى، وربيعة، وأبى الزناد مثله، ورخص مالك في ذلك، وقال: قد خرج النساء قديمًا في الجنائز، وخرجت أسماء تقود فرس الزبير، وهى حامل، وقال: ما أرى بخروجهن بأسًا إلا في الأمر المستنكر. قال ابن المنذر: وقد احتج من كره ذلك بحديث أم عطية.

وقال النووي في شرحه لحديث أم عطية:

نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك نهي كراهة تنزيه، لا نهي عزيمة تحريم. ومذهب أصحابنا أنه مكروه، ليس بحرام لهذا الحديث، قال القاضي: قال جمهور العلماء بمنعهن من اتباعها، وأجازه علماء المدينة، وأجازه مالك، وكرهه للشابة أهـ

والذهاب إلى تحريم اتباع النساء للجنائز مردود، جاء في المجموع شرح المهذب:

قال الشافعي والأصحاب: يستحب للرجال اتباع الجنازة حتى تدفن، وهذا مجمع عليه، للأحاديث الصحيحة فيه، وأما النساء فيكره لهن اتباعها ولا يحرم، هذا هو الصواب, وهو الذي قاله أصحابنا.

وأما قول الشيخ نصر المقدسي رحمه الله: لا يجوز للنساء اتباع الجنازة فمحمول على كراهة التنزيه، فإن أراد به التحريم فهو مردود، مخالف لقول الأصحاب، بل للحديث الصحيح، قالت أم عطية رضي الله عنها {نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا} رواه البخاري ومسلم، وهذا الحديث مرفوع، فهذه الصيغة معناها رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقرر في كتب الحديث والأصول، وقولها: ولم يعزم علينا معناه نهينا نهيا شديدا غير محتم، ومعناه كراهة تنزيه ليس بحرام.

وأما الحديث المروي عن علي رضي الله عنه قال {: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا نسوة جلوس قال: ما تجلسن؟ قلن: ننتظر الجنازة قال: هل تغسلن؟ قلن: لا، قال: هل تحملن؟ قلن: لا، قال هل تدلين فيمن يدلي؟ قلن: لا، قال: فارجعن مأزورات غير مأجورات} رواه ابن ماجه بإسناد ضعيف، من رواية إسماعيل بن سليمان الأزرق، ونقل ابن أبي حاتم تضعيفه عن أعلام هذا الفن.

وأما حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن {النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة رضي الله عنها: ما أخرجك من بيتك؟ قالت: أتيت أهل هذا البيت فرحمت إليهم ميتهم، قال: لعلك بلغت معهم الكدى[2]؟ قالت: معاذ الله أن أكون بلغتها وقد سمعتك تذكر في ذلك ما تذكر فقال: لو بلغتها معهم ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك} فرواه أحمد بن حنبل وأبو داود والنسائي بإسناد ضعيف، هذا الذي ذكرناه من كراهة اتباع النساء الجنازة هو مذهبنا ومذهب جماهير العلماء حكاه ابن المنذر عن ابن مسعود وابن عمر وأبي أمامة وعائشة ومسروق والحسن والنخعي والأوزاعي وأحمد وإسحاق، وبه قال الثوري. وعن أبي الدرداء والزهري وربيعة أنهم لم ينكروا ذلك، ولم يكرهه مالك إلا للشابة، وحكى العبدري عن مالك أنه يكره إلا أن يكون الميت ولدها أو والدها أو زوجها وكانت ممن يخرج مثلها لمثله. دليلنا حديث أم عطية رضي الله عنها.

جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية:

وأما النساء فلا ينبغي لهن عند الحنفية أن يخرجن في الجنازة، ففي الدر يكره خروجهن تحريما، قال ابن عابدين: لقوله عليه الصلاة والسلام: {ارجعن مأزورات غير مأجورات}. ولحديث أم عطية: {نهينا عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا}. {ولقوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة: لعلك بلغت معهم الكدى}.

وأما عند الشافعية فقال النووي:مذهب أصحابنا أنه مكروه، وليس بحرام، وفسر قول أم عطية ولم يعزم علينا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه نهي كراهية تنزيه، لا نهي عزيمة وتحريم. وأما المالكية ففي الشرح الصغير: جاز خروج متجالة (كبيرة السن) لجنازة مطلقا، وكذا شابة لا تخشى فتنتها، لجنازة من عظمت مصيبته عليها، كأب، وأم، وزوج، وابن، وبنت، وأخ، وأخت، أما من تخشى فتنتها فيحرم خروجها مطلقا. وقال الحنابلة: كره أن تتبع الجنازة امرأة.

وحكى الشوكاني عن القرطبي أنه قال:إذا أمن من تضييع حق الزوج والتبرج وما ينشأ من الصياح ونحو ذلك فلا مانع من الإذن لهن، ثم قال الشوكاني: هذا الكلام هو الذي ينبغي اعتماده في الجمع بين الأحاديث المتعارضة.


[1]  أخرجه ا لنسائي وابن ماجة، وضعفه الشيخ الالباني في السلسلة الضعيفة.

[2] الكدى جمع كُدْية ويقصد بها في الحديث المَقابرَ وذلك لأَنه كانت مَقابِرُهم في مواضع صُلْبَة. ينظر لسان العرب مادة كدا.


الوسوم: