السؤال:

هل يحق للمرأة أن تمنع زوجها من التعدد؟ وهل يجوز لولي الأمر أن يتدخل لإجبار الأزواج على عدم التعدد؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد

لا يجوز إلزام الرجل بعدم الزواج من زوجة أخرى، ولا يحق إصدار قانون عام يلزم الرجل بعدم التعدد، لأنه سيترتب عليه من المضار أضعاف ما يترتب عليه من المنافع إن وجدت، ويجوز للمرأة أن تشترط على زوجها ألا يتزوج عليها فإن وفي لها بشرطها فبها وإن لم يف فهي بالخيار إن شاءت قبلت وإن شاءت طلقت وأخذت كل حقوق المطلقة.

يقول فضيلة الشيخ عطية صقر رئيس لجنة الفتوى الأسبق بالأزهر ـ رحمه الله ـ في كتابه أحسن الكلام في الفتوى والأحكام:

1 ـ إن الجهل بالإسلام يؤدي إلى الانحراف في كلِّ شيء، وإلى التردي في هواية التقليد الأعمى. ثم نِسْبَة ذلك إلى الإسلام وهو منه بريء .
إن التشريع الإسلامي نَظَّم العلاقة بين الرجل والمرأة مُراعيًا الاستعداد الطبيعي لكلٍّ منهما، والمُهمة الأساسية التي خُلِقَا من أجلها، والمكان المناسب الذي يباشر فيه كلٌّ منهما نشاطه، بروح التعاون والاشتراك في المسئولية لصالح الطرفين ولصالح المُجتمع .
3 ـ إنَّ عدم الفهم الصحيح لهذا الإطار التعاوني ولإمكانات كُلٍّ من الطرفين. يتيح الفرصة للتأثر بالآراء المُتطرفة. ويَحْمِل المرأة بالذات على النضال من أجل المساواة الكاملة بينها وبين الرجل، مع التغاضي عن التفاوت في القُدرات ونسيان شَرَفَ المُهمة الأساسية المناسبة لها، وهذا يُحَوِّل الرجل من شعوره بالحُب نحو المرأة والعَطف عليها لضَعْفِهَا ورِقتها، إلى الشعور بالكراهية والنُّفور، وإلى الغِلْظَة والْقَسْوَة في معاملتها، شأن كُلِّ عَدُوَّيْنِ يناضلان في معركة حامية وجهًا لوجه. وتنْقَلِب الحياة الزوجية بالذات من السَّكن والمودة اللتين جعلهما الله آيةً من آيات حِكْمَته ونعمةً من أكبر نِعَمِهِ في خَلْقِ المرأة للرجل، والتزاوج لتكوين أسرة مُسْتَقرة هي اللَّبِنَة الأساسية في بِناء المُجتمع والخَلِيَّة الأولى في جسم الجنس البشري المُؤهل لتحقيق الخِلافة في الأرض ـ تنقلب إلى جحيم يصلاه كلٌّ منهما، ويصلاه النَّسل والمجتمع كُلُّه .
وبهذا التحول في الشعور نحو الطرفين سيكون أول من يُكوى بناره هو المرأة التي بدأت المعركة وحاولت أن تَصْمُدَ فيها على الرغم من شعورها بقسْوَة المُعاناة، وحينئذٍ يَصْدُق عَلَيْهَا المثل القائل: “على نفسها جنت بَراقش” وصدق الله إذ يقول: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدِ ظَلَمَ نَفْسَهُ) (سورة الطلاق : 1) ويقول: (فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِه) (سورة الفتح : 10) ويقول: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) (سورة الشورى : 30) .
4 ـ إنَّ خَلْقَ المرأة للرجل وعدم استغناء أحدٍ منهما عن الآخر أمرٌ ضروري للتكاثر وبقاء الجنس البشري، ضمن القانون العام الذي قال الله فيه: (وَمِنْ كُلِّ شَيءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (سورة الذاريات : 49)
5 ـ إن التناسل البشري ليس كالتناسل الآخر يجتمع فيه أي ذَكَرٍ مَع أية أنثى، وينتج عن ذلك نسلٌ ضائع بينهما، بل إن هناك تنظيمًا للقاء بين الرجل والمرأة، أساسه الزواج الشرعي الذي تُحدد فيه الحقوق والواجبات بالنسبة لكلٍّ منهما، وبالنسبة للنسل الذي ينتج عنهما، ومن هنا أبطل الإسلام، بل أبطلت كُلُّ الأديان السَّمَاوية، أي لِقَاء بَيْنَ الرَّجُل والمرأة لا تلزم فيه الشروط والقواعد التي جاء بها الدِّين .
والشروط الشرعية لصِحة عقد الزواج معروفة. وأي إخلالٍ بها يُفسد العقد أو يعطي الفرصة لفَسْخِه لمُخَالفته لِحِكْمَة الزََّواج، وتكوين الأسرة .
6 ـ بعد هذا أقول: إنَّ أي شرط في عَقد الزواج يتنافى مع حِكْمَته أو مع نص شرعي أو أمر مُجْمَع عليه يكون باطلاً، وذلك لحديث “المُسلمون عند شروطهم إلا شَرطًا أحلَّ حرامًا أو حرَّم حلالاً” رواه الحاكم وصححه بلفظ “المسلمون عند شروطهم ما وافق الحقَّ من ذلك” ولحديث البخاري ومسلم “إنَّ أحقَّ الشروط أن تُوفوا ما استحللتم به الفُرُوج “.
وقد اتفق العلماء على عدم الوفاء باشتراط ترْك الوَطء وترْك الإنفاق والخلو من المَهْر، واختلفوا في شرط الإقامة في بلد الزوجة، وألا يتسرى عليها أو لا يتزوج أخرى عليها .
إن اشتراط عدم زواج الزوج بزوجة أخرى ممنوع ولا يصح أن يفرضه الحاكم، ولأنه يؤدي إلى مَفْسَدة بل مفاسد. ذلك أن المُحتاج إلى زوْجة أخرى، وشُرِطَ عليه الامتناع سيلجأ إلى أحد أمور كلِّها صعبة، إما الطلاق وإما الكَبْت والحِرْمَان إنْ كان مُتَدينًا، وإما الانحراف بالزنا إن لم يَعْصِمه دين، وإما إلى الزواج العُرفي الذي لا تُقيم له الجهات الرسمية وزنًا، وإما إلى التحليل لإيجاد مُبررات كاختلاق عيوب في زوجته قد يطول تحقيق هذا الاختلاف، مع ما فيه من كشف للأسرار والسوءات، فالمنع لا يحل المشكلة إن كانت مشكلة بل يزيدها تعقيدًا .

يقول النووي :حديث الوفاء بالشرط هو فيما يقتضيه النِّكاح من نَفَقَة وعِشْرة بِالمَعْرُوف إلى آخره، لكن ما يُخالف مقصود النِّكاح لا يجب الوفاء به كألا يَقْسِم لهَا ـ أي يُعْطِيها نصيبها عند تعدد الزوجات ـ ولا يتسرى عليها ـ أي لا يتمتع بأمَة يملكها ـ ولا يسافر بها ، لقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : “كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ في كتاب الله فهو باطل” رواه البزَّار والطبراني عن ابن عباس وصححه، وقال أحمد وجماعة: يجب الوفاء بالشروط مُطلقًا لعموم الحديث .
يقول ابن قدامة في كتاب المغني “ج 7 ص 448 ـ 451” عن حُكم الشروط في النِّكاح ما مُلخصة . هناك ثلاثة أنواع من الشروط :
الأول: ما يلزم الوفاءُ به، وهو ما يعود إلى الزَّوْجَة نَفْعُهُ، مثل أن يشترط لها ألا يخرجها من دارها أو بلدها، فإن لم يف لها فلها الفسخ، فإن شرطت عليه أن يطلِّق ضُرتها لم يصح الشرط، وقيل: هو شرط لازم؛ لأنه لا ينافي العقد، ولها فيه فائدة .
والثاني: ما يبطل الشرط ويصح العَقْد، كأنْ يشتَرِط أن لا مَهْرَ لها، أو لا يُنْفِق عليها، أو تشترط هي ألا يَطَأَهَا، أو أن يكون لها النهار دون الليل، أو تُنفق هي عليه فكلُّها شروط باطلة، أما العقد فهو صحيح .
والثالث: ما يبطل النِّكاح من أصله، كما لو اشترط تَأْقِيت النِّكاح، أو أن يطلِّقها لوقت بعينه، أو أن يعلِّق النكاح على شرط، كأن يقول: إن رضيت أُمها .
ومما أثر من اختلاف وجهات النظر في ذلك ما رواه الترمذي أن عمر ـ رضي الله عنه ـ قال: إذا تزوج الرجل المرأة وشرط لها ألا يخرجها من مَصْرِهَا ـ بلدها ـ فليس له أن يخرجها بغير رضاها. ورفع رجل إلى عمر قضية زوجته التي شرط لها دارها، وعزم على الرَّحيل إلى أرضٍ أخرى، فقال له: لها شرطها، فقال الرجل: هلك الرجال، إذ لا تشاء امرأة أن تُطلِّق زوجها، إلا طلقت، فقال عمر: المؤمنون على شروطهم عند مقاطع حقوقهم .
وعن علي ـ رضي الله عنه ـ أنه سُئِلَ عن ذلك فقال: شرط الله قبل شرطها. أخرجه الترمذي أيضًا. وابن حجر (فتح الباري ص 124) تحدث عن الشروط والنكاح وقول البخاري: قال عمر: مقاطع الحقوق عند الشروط، وذكر قول الخطابي: إن الشروط في النكاح مُختلفة، فمنها ما يجب الوفاءُ به اتفاقًا، وهو ما أمر الله به من إمساكٍ بمعروف أو تسريح بإحسان، وعليه حمل بعضهم هذا الحديث ـ وهو : أحق ما أوفيتم من الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج ـ ومنها ما لا يوفى به اتفاقًا، كسؤال طلاق أختها، ومنها ما اختلف فيه كاشتراط ألا يتزوج عليها، أو لا ينقلها من منزلها إلى منزله .
وذكر ابن حجر أن أحمد يقول: بوجوب الوفاء بالشروط مُطلقًا ـ وأن عمر تضادت الروايات عنه في رجل شرط لامرأته ألا يخرجها من دارها، فمرة قال: المرأة مع زوجها ومرة قال: لها شرطها .
هذا بعض ما في كُتب الفِقْه، يتبين منه أن الاشتراط في عقد الزواج إذا كان ينافي مقصود النِّكاح فهو باطل، والبُطلان إما للعقد وإما الشرط مع صحة العقد، أما ما لا ينافي مقصود النِّكاح مثل سفرها معه أو زيارتها لأهلها: فلا يبطل العقد، أما الوفاء به ففيه خلاف ، قيل بوجوب الوفاء كما قال أحمد، وقيل بعدم وجوبه كما قال الشافعي .
وإذا كان الفقهاء قد ضربوا أمثلة من واقع حياتهم وعصورهم فالأمثلة تختلف باختلاف البيئات والعصور، وينظر فيها على ضَوْءِ القواعد الأساسية القديمة المُشار إليها فيما ذكر .
والله أعلم