السؤال:

هل يجوز بيع الإيصالات(الصكاك) التي يقدمها بعض المعامل للعمال قبل قبض ما احتوته من حوائج؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :-

في بيع هذه الإيصالات خلاف بين العلماء، والأرجح جواز بيعها.

يقول الشيخ محمد أديب كلكل- من علماء سوريا- :

 الصكاك جمع صك، وهو الورقة المكتوبة بدين، ويجمع أيضاً على صكوك. والمراد هنا الورقة التي تخرج من ولي الأمر بالرزق لمستحقه بأن يكتب فيها للإنسان كذا وكذا من طعام أو غيره، فيبيع صاحبها ذلك لإنسان قبل أن يقبضه.

 يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى في شرح صحيح مسلم: 4/49″ قد اختلف العلماء في ذلك، والأصح عند أصحابنا وغيرهم جواز بيعها. والثاني منعها بحديث أبي هريرة وبحجته”.وحديث أبو هريرة كما في صحيح مسلم: عن يسار عن أبي هريرة أنه قال لمروان: أحللت بيع الربا؟ فقال مروان: ما فعلت. فقال أبو هريرة: أحللت بيع الصكاك وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام حتى يستوفى، قال: فخطب مروان الناس فنهى عن بيعها. قال سليمان: فنظرت إلى حرس يأخذونها من أيدي الناس، ومن أجازها تأول قضية أبي هريرة على أن المشتري ممن خرج له الصك باعه لثالث قبل أن يقبضه المشتري فكان النهي عن البيع الثاني، لا عن الأول، لأن الذي خرجت له مالك لذلك ملكاً مستقراً وليس هو بمشتر فلا يمتنع بيعه قبل القبض، كما لا يمتنع بيعه ما ورثه قبل قبضه. قال القاضي عياض بعد أن تأوله على نحو ما ذكرته: وكانوا يتبايعونها( أي الصكاك) ثم يبيعها المشترون قبل قبضها فنهوا عن ذلك. قال: فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فرده عليه وقال: لا تبع طعاماً ابتعته حتى تستوفيه. ا هـ. هذا تمام الحديث في الموطأ، وكذا جاء الحديث مفسراً في الموطأ أن صكوكاً خرجت للناس في زمن مروان بطعام، فتبايع الناس تلك الصكوك قبل أن يستوفوها، وفي الموطأ ما هو أبين من هذا وهو أن حكيم بن حزام ابتاع طعاماً أمر به عمر بن الخطاب رضي الله عنه فباع حكيم الطعام الذي اشتراه قبل قبضه. انتهى كلام الإمام النووي في شرح صحيح مسلم.

وفي كتاب(المجموع) للإمام النووي رحمه الله تعالى:9/267″حكى صاحب التلخيص عن نص الشافعي رحمه الله تعالى أن الأرزاق التي يخرجها السلطان للناس يجوز بيعها قبل القبض، فمن الأصحاب من قال: هذا إذا أفرزه السلطان، فتكون يد السلطان في الحفظ يد المقر له. ويكفي ذلك لصحة البيع، ومن الأصحاب من لم يكتف بذلك وحمل النص على ما إذا وكل وكيلاً في قبضه فقبضه الوكيل ثم باعه الموكل، وإلا فهو بيع شيء غير مملوك وبهذا قطع القفال. قلت: (أي النووي) الأول أصح وأقرب إلى النص.وممن قطع بصحة بيع الأرزاق التي أخرجها السلطان قبل قبضها: المتولى وآخرون. وروى البيهقي آثار الصحابة مصرحة بالجواز”… وقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في كتاب(الأم) 3/60″ والأرزاق التي يخرجها السلطان للناس يبيعها قبل أن يقبضها، ولا يبيعها الذي يشتريها قبل أن يقبضها، لأن مشتريها لم يقبض، وهي مضمونة له على بائعها بالثمن الذي باعه إياها به، حتى يقبضها، أو يرد البائع إليه الثمن”.

فمن قال إن هذه الصكوك أوراق لا قيمة لها فكيف يجوز بيعها؟أقول: إن المشتري لهذه الأوراق يعلم أنها ليست لها قيمة، ويعلم أنها مجرد إشعار بتخصيص حاملها كمية معلومة من الرزق أو المتاع، فهي إعلام بأن لصاحبها ملك مستقر عند من خصه بها، فهو يشتري الملك المستقر وليس الورقة، لأن هذا الملك المستقر يجوز التصرف به كالمبيع بعد القبض، فمثل ذلك مثل الأمانة فيجوز للمالك بيع جميع الأمانات قبل قبضها، لأن الملك فيها تام، وهي كالوديعة في يد المودع، ومال الشركة والقراض في يد الشريك. ولو ورث مالاً فله بيعه قبل قبضه.

وليست هذه الصكوك بمنزلة بيع الشيء قبل استلامه الوارد النهي عنه في جملة من الأحاديث الشريفة، لأن ما تضمنته هذه الصكوك إنما هو ملك مستقر لدى الجهة التي أصدرتها.

وفي كتاب(الجامع في أصول الربا) للدكتور رفيق يونس المصري: ص352″وتشبه هذه الصكوك(القسائم التموينية) البونات، حيث يعين استحقاق كل شخص من بعض المواد الغذائية كالسكر والرز والزيت… يحصل عليه بسعر مثبت منخفض في حين يكون السعر الحر لهذه المواد أعلى بنسبة جوهرية. فهذه القسائم لها قيمة بمقدار الفرق بين الثمن المنخفض والثمن الحر، وتعتبر كالديون المؤجلة قبل استحقاقها، فإذا بيعت كان بيعها كبيع الصكاك المشار إليه، والصكاك قيمتها بقيمة المبالغ المسماة كلها، لأن مقابلها قد دفع في صورة عمل أو استحقاق من عطاء. أما القسائم فلا يدفع ثمن الأرزاق المستحقة فيها إلا عند القبض”.

والله أعلم .

نقلا عن موقع مركز أبحاث فقه المعاملات الإسلامية