السؤال:

زوجني أبى (اللهم اغفر له) رغم أنفى دون إذنٍ أو استشارة وإعلان رفضي و نقلت نقلاً لهذا الرجل رغماً وكرهاً. أنا منتقبة والتزمت النقاب في البيت ومنعته من نفسي منعاً، يقيناً منى أنني لم أتزوج بعد، بل شرعاً العقد باطل و فاسد، و آثمٌ من فعل ذلك ولو بالمشاركة. الرجاء الجميع سيقرأ ووعد بتطبيق حكم الله هل أنا المخطئة أم هم الذين أجرموا في حقي واعتدوا على حدود الله.

الجواب:

بسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

إذا كان الشارع قد جعل الولي شرطا في عقد النكاح فهذا ليس معناه إسقاط حق الفتاة في اختيار من يكون زوجا لها، بل يجب على الولي أن يخير الفتاة فيمن يتقدم إليها من الخطاب فلا يزوجها إلا ممن ترتضي أن يكون زوجا لها، فرضاها من شروط صحة الزواج، ولا يصح عقد الزواج إذا كانت مكرهة على الراجح من أقوال أهل العلم، وهذا الحكم يجري في البكر والثيب على الأصح من أقوال الفقهاء.

هذا خلاصة ما أفتى به الأستاذ الدكتور صلاح الصاوي –أمين عام مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا الشمالية- وإليك نص فتواه:

فإن اشتراط الولي في عقد النكاح لا يعني أن له أن يكره من جعلت تحت ولايته على الزواج بمن لا تحب، فهي أحق بنفسها من وليها في الإذن والرضا،  فرضاها من شروط صحة الزواج، فلا يصح العقد إذا كانت مكرهة في الصحيح من أقوال أهل العلم.

وعلى هذا فعندما يباشر الولي تزويج موليته لابد أن يخيرها فيمن يريد أن يكون لها زوجاً. فإن رضيت به أمضى العقد، وإن لم ترض به عدل عن تزويجها منه واختار لها آخر. وهذا الحكم يجري في البكر والثيب على الأصح من أقوال الفقهاء.

– فعن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها» وفي رواية لأحمد، ومسلم، وأبي داود، والنسائي: «والبكر يستأمرها أبوها»، وفي رواية لأحمد والنسائي: «والبكر تستأذن في نفسها».

– وفي رواية لأبي داود والنسائي: «ليس للولي على الثيب أمر، واليتيمة تستأمر، وصمتها إقرارها».

– وعن خنساء بنت خذام الأنصارية: «أن أباها زوجها وهي ثيب فكرهت ذلك، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم  فرد نكاحها ».

– وعن ابن عباس – رضي الله عنهما: «أن جارية بكراً أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم  فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة فخيرها النبي صلى الله عليه وسلم ».

– وعن أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: «تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فقد أذنت، وإن أبت لم تُكره».

– وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: «جاءت فتاة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم  فقالت: إن أبي زوجني ابن أخيه؛ ليرفع بي خسسته، قال: فجعل الأمر إليها؛ فقالت: قد أجَزْتُ ما صنع أبي، ولكني أردت أن أُعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر من شيء».

قال الشوكاني في نيل الأوطار:

ظاهر أحاديث الباب أن البكر البالغة إذا زُوجت بغير إذنها، لم يصح العقد، وإليه ذهب الأوزاعي، والثوري، والعترة والحنفية، وحكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم.

وذهب مالك، والشافعي، والليث، وابن أبي ليلى، وأحمد، وإسحاق إلى أنه يجوز للأب أن يزوجها بغير استئذان، ويرد عليهم ما في أحاديث الباب من قوله: «والبكر يستأمرها أبوها».. إلخ.

وقال ابن القيم بعد أن ذكر طرفاً من هذه الأحاديث:

«وموجب هذا الحكم أنه لا تجبر البكر البالغ على النكاح ولا تزوج إلا برضاها، وهذا قول جمهور السلف، ومذهب أبي حنيفة، وأحمد في إحدى الروايات عنه، وهو القول الذي ندين لله به، ولا نعتقد سواه وهو الموافق لحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم  وأمره، ونهيه، وقواعد شريعته، ومصالح أمته.

أما موافقته لحكمه:فإنه حكم بتخيير البكر الكارهة.

وأما موافقة هذا القول لأمره:فإنه قال: والبكر تستأذن، وهذا أمر مؤكد؛ لأنه ورد بصيغة الخبر الدال على تحقق المخبر به وثبوته ولزومه، والأصل في أوامره أن تكون للوجوب ما لم يقم إجماع على خلافه.

وأما موافقته لنهيه فلقوله: «لا تنكح البكر حتى تستأذن» فأمر، ونهى، وحكم بالتخيير، وهذا إثبات للحكم بأبلغ الطرق.

وأما موافقته لقواعد شرعه: فإن البكر البالغة العاقلة الرشيدة لا يتصرف أبوها في أقل شيء من ملكها إلا برضاها، ولا يجبرها على إخراج اليسير منه بدون رضاها، فكيف يجوز أن يُرِقّها [ أي يجعلها رقيقة]  ويخرج بضعها[ أي فرجها ] منها بغير رضاها إلى من يريده هو، وهي من أكره الناس فيه، وهو من أبغض شيء إليها، ومع هذا فينكحها إياه قهراً بغير رضاها، إلى من يريده ويجعلها أسيرة عنده!!

كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اتقوا الله في النساء؛ فإنهن عوان عندكم» أي أسرى، ومعلوم أن إخراج مالها كله بغير رضاها أسهل عليها من تزويجها بمن لا تختاره وبغير رضاها، ولقد أبطل من قال أنها إذا عينت كفؤاً تحبه وعين أبوها كفؤاً، فالعبرة بتعيينه ولو كان بغيضاً لها قبيح الخلقة.

وأما موافقته لمصالح الأمة فلا يخفى مصلحة الثيب في تزويجها بمن تختاره وترضاه، وحصول مقاصد النكاح لها به، وحصول ضد ذلك بمن تبغضه وتنفر عنه.

فلو لم تأت السنة الصريحة بهذا القول لكان القياس الصحيح وقواعد الشريعة لا تقتضي غيره، وبالله التوفيق.

وناقش ابن القيم أدلة المخالفين وأبطلها

ومما تقدم نعلم أنه يجب على ولي المرأة أن يستأذنها في تزويجها ويعلم رضاها؛ فإن الزواج معاشرة دائمة وشركة قائمة بين الرجل والمرأة… ولا يدوم الحب والوئام، ولا يتم الود والانسجام بينهما إلا إذا رضيت به ورضي بها.

ومن هنا منع الشرع إكراه المرأة- بكراً كانت أو ثيباً- على الزواج وإجبارها على من لا رغبة لها فيه، وجعل العقد عليها قبل استئذانها غير صحيح، ولها حق المطالبة بالفسخ إبطالاً لتصرفات الولي المستبد، فأتمروا بينكم بمعروف لحل هذه المشكلة وقد علمتم حكم الشارع فيها.

والله أعلم.