السؤال:

أصدر بعض العلماء فتاوى بتحريم السفر إلى البلاد الموبؤة بداء أنفلونزا الخنازير، وهذه الفتوى يترتب عليها من الضرر ما لا يخفى على أحد ، وبخاصة عند رجال الأعمال الذين يرتبط عملهم بالسفر، وكذلك طلاب العلم، والمرضى الذين لا يجدون علاجا مناسبا في بلادهم وغير ذلك، فهل هذه الفتوى صحيحة على الرغم مما يترتب عليها من ضرر؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه

وباء أنفلونزا الخنازير من النوازل التي تتطلب ممن يتصدى للإفتاء في القضايا المتعلقة بها كثيرا من الأناة والتبصر، والفهم العميق للنازلة، ومراعاة الأحوال والأعراف، والنظر في المآلات، ومشاورة أهل الذكر في كافة التخصصات حتى تخرج الفتوى أقرب للصواب ويكون حظ المفتي فيها الأجر أو الأجرين.

والسفر إلى البلاد الموبؤة بأنفلونزا الخنازير أو المنع منه أمر يقدره ويقرره ولاة الأمر بعد مراجعة العلماء والخبراء المختصين، فمن حق الحكومات القيام بواجبها تجاه حماية الناس من هذا الوباء، ولا يعد هذا اعتداء على حرية الإنسان في التنقل، والعلم والسياحة، لأن هذا الأمر إن حدث ففيه حماية للإنسان خاصة، وللناس عامة.

هذا خلاصة ما أفتى به الدكتور رجب أبو مليح – مستشار النطاق الشرعي بشبكة إسلام أون لاين. نت- وإليك نص فتواه:

هذه نازلة من النوازل التي تتطلب ممن يتصدى للإفتاء فيها كثيرا من الأناة والتبصر، والفهم العميق للنازلة، ومراعاة الأحوال والأعراف، والنظر في المآلات، ومشاورة أهل الذكر في كافة التخصصات حتى تخرج الفتوى أقرب للصواب، وينال المجتهد أجرا واحدا إن أخطأ أو أجرين إن أصاب.

وهذه النازلة يتنازعها كثير من الأدلة الشرعية والقواعد الفقهية لا بد أن نجمع بينها إن أمكننا الجمع، أو نرجح بينها إن احتجنا إلى الترجيح .

ـ التعارض الظاهري بين الأدلة:

وأول هذا التعارض يظهر من خلال الفهم السطحي أو المتسرع لبعض أحاديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقد ورد عنه فيما رواه البخاري بسنده عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ” لا يوردن ممرض على مصح ”  والممرض: الذي إبله مراض، والمصح: الذي إبله صحاح . ومعنى: لا يورد عليه: لا يخلط المريضة الجرباء بالصحيحة أثناء ورود الماء. وإن كان هذا في الإبل والحيوانات فهو في الإنسان من باب أولى.

وروى مسلم بسنده عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ  أنه كان في وفد ثقيف رجل مجذوم، فأرسل إليه النبي – صلى الله عليه وسلم -: ” ارجع فقد بايعناك “.

وقال في شأن الطاعون – وهو وباء عام -: ” إذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها فرارًا منه “. متفق عليه

وهذه الأحاديث قد يفهم منها التعارض بين ما رواه أبو هريرة أيضا عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال : ” لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صَفَر، وفر من المجذوم كما تفر من الأسد”.” ومعناه كما ذكر عدد من العلماء : أن الأمراض لا تعدي بطبعها وذاتها كما يعتقد أهل الجاهلية، بل بتقدير الله تعالى، وبناء على سننه الكونية.

وبالتالي لا يكون هناك تعارض بل الثابت والصحيح هو أخذ الحذر والحيطة، والتداوي والأخذ بالأسباب.

– التعارض بين التداوي والأخذ بالأسباب والتوكل:

والأخذ بالأسباب الوقائية أو العلاجية لا يتنافى مع التوكل علي الله تعالى، بل هو عين التوكل لأننا نأخذ بالأسباب ونوقن أنها لا تغني عنا من الله شيئا بل كل شيء عنده بمقدار.

يقول ابن حجر -رحمه الله-:الحق أن من وثق بالله، وأيقن أن قضاءه عليه ماض، لم يقدح في توكله تعاطي الأسباب اتباعا لسنته وسنة رسوله، فقد ظاهر ـ صلى الله عليه وسلم ـ بين درعين، ولبس على رأسه المغفر، وأقعد الرماة على فم الشعب، وخندق حول المدينة، وأذن في الهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة، وهاجر هو، وتعاطى أسباب الأكل والشرب ، وادخر لأهله قوت سنتهم، ولم ينتظر أن ينزل عليه من السماء، وهو كان أحق الخلق أن يحصل له ذلك. وقال للذي سأله: ” أعقل ناقتي أو أدعها ؟ ” قال ” اعقلها وتوكل ” فأشار إلى أن الاحتراز لا يدفع التوكل .انتهى كلام ابن حجر.

وقال ابن القيم ـ رحمه الله ـ :التداوي لا ينافي التوكل، وكما لا ينافيه دفع داء الجوع والعطش والحر والبرد بأضدادها ، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها قدرا وشرعا، وأن تعطيلها يقدح في نفس التوكل، كما يقدح في الأمر والحكمة ويضعفه، من حيث يظن معطلها أن تركها أقوى في التوكل، الذي حقيقته: اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يضره فيهما، ولابد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب، فلا يجعل العبد عجزه توكلا، ولا توكله عجزا .

ـ التعارض والترجيح بين المصالح والمفاسد:

لا شك أن صدور فتوى بالتحريم، أو قرار سياسي بالمنع من السفر من وإلى البلاد الموبؤة بهذا المرض أو غيره سيترتب عليه من المفاسد الكثير، فهذا سيترتب عليه تعطيل كثير من المصالح، وحدوث كثير من الضرر، وبالتالي لا بد أن تؤسس هذه الفتوى أو القرار على شهادة العلماء والخبراء الذين يؤكدون على أن الضرر المترتب على هذا السفر أكبر من النفع، وأنه لا يمكن دفع الضرر بوسيلة أخرى غير المنع من السفر.

وعلى المفتي أن ينظر إلى هذه القواعد مجتمعة، مثل : لا ضرر ولا ضرار، والضرر يزال، ويدفع الضرر الأعلى بالضرر الأدنى، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح في الغالب، والضرورة تقدر بقدرها، وتقدم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة … إلى غير ذلك من القواعد والضوابط الفقهية.

ونظرية الضرر نظرية من النظريات الفقهية الضخمة، وهي نظرية مكتملة الأركان تقوم على أسس ثلاثة:

الأساس الأول: منع الضرر:

وهو يقوم في الأصل على أخذ كافة التدابير والاحتياطات لمنع وقوع الضرر، وهو في حالتنا الآن منع السفر إلى البلاد الموبؤة بهذا المرض، أو منها بعد أن أثبت العلم أنه ينتقل من الحيوان إلى الإنسان ومن الإنسان إلى إنسان آخر وهكذا، ومن حق الحكومات أن تأخذ من التدابير الواقية والأسباب المتاحة ما تمنع به هذا الضرر، بعد التأكد من أنها لن تستطيع أن تمنع انتشار هذا المرض إلا بهذه الوسيلة.

وهذا القرار وإن ترتب عليه ضرر في المال أو العلم أو غيره فحماية النفس مقدمة على حماية المال وفق سلم الأولويات في شريعتنا الغراء.

الأساس الثاني: دفع الضرر:

وهذا الأساس يعمل عند وقوع الضرر فعلينا ببذل أقصى الجهد لدفع هذا الضرر، ومحاولة الحيلولة بينه وبين أن يحدث آثاره، وهو في حالتنا هذه توفير سبل الوقاية من انتقال المرض سواء من الحيوان للإنسان أو من إنسان إلى إنسان آخر، ونشر الوعي بين الناس لتجنب الإصابة وانتقال العدوى، والإسراع بتصنيع وتوفير العلاج الناجع من هذا المرض .

الأساس الثالث: رفع الضرر:

وهذا يحدث ـ لا قدر الله ـ إن وقع المرض بعد إعمال جانب المنع والدفع ووقوع المحذور بعد ذلك، ويعمل هنا على رفع الضرر بالقدر المستطاع وترميم آثاره حتى لا يلازم الناس طوال حياتهم.

وبناء على ما تقدم نرى أنه من حق الحكومات القيام بواجبها تجاه حماية الناس من هذا الوباء، ولا يعد هذا اعتداء على حرية الإنسان في التنقل، والعلم والسياحة، لأن هذا الأمر إن حدث ففيه حماية للإنسان خاصة، وللناس عامة.

والله أعلم