السؤال:

في رمضان تشيع ظاهرة نقديم وجبات إفطار للصائمين، في المساجد وعلى موائد الرحمن وغير ذلك، وأنا أحيانا أكون في المسجد منتظرا صلاة التراويح فأجد من يدعوني على الإفطار فأخشى أن أجيبه مخافة أن يكون هذا من الصدقة. فما رأيكم في هذا؟ وهل يستوي هذا وما يقدم على موائد الرحمن، أم أن هناك فرقا أم ماذا؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :

فقد أحسن السائل إلى نفسه في دينه حينما تعامل مع أموال الصدقات والزكوات بهذه النفس العفيفة المتخوفة؛ فقد تظاهرت نصوص السنة على الترهيب من سؤال الناس أموالهم في غير حاجة ملحة ؛ ففي الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله تعالى وليس في وجهه مزعة لحم”

وروى بعض أهل السنن من حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إنما المسائل كدوح يكدح بها الرجل وجهه فمن شاء أبقى على وجهه ومن شاء ترك إلا أن يسأل ذا سلطان أو في أمر لا يجد منه بدا “.

وعلى هذا، فمتى علم السائل أن هذا الطعام من أموال الزكاة فإنه لا يجوز له قطعا أن يتناول منه طالما أنه ليس من أهلها. ومتى علم أنه من الصدقة فإنه يكره له تناوله، وأجازه بعض الفقهاء دون كراهة.

ومتى علم أن مقدمه صنعه يبتغي به أجر إفطار الصائم مع قطع النظر عن حيثية الفقر والغنى فيجوز لها أيضا تناوله دون كراهة….وإنما يجوز ذلك إذا بذله له مقدمه إباحة أو تمليكا، وأما أن يطلبه من مقدمه أو يقف متشوفا له فهذا مما نهت عنه السنة، فقد روى البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما [ قال : سمعت عمر يقول : ” كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يعطيني العطاء فأقول أعطه أفقر إليه مني قال فقال خذه إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه فتموله فإن شئت كله وإن شئت تصدق به، وما لا فلا تتبعه نفسك”.

ومما تجدر الإشارة إليه هنا أنه لا يجوز لمن يعد الإفطار لعموم الناس أن يجعله من الزكاة، فقد عُلم يقيناأن هذه الموائد يغشاها من يستحق ومن لا يستحق ، بل يغشاها بعض الناس ترفا، ولتكن نيته في ذلك الحصول على أجر الإفطار دون أي نية أخرى ؛ فعن زيد بن خالد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” من فطر صائما أو جهز غازيا فله مثل أجره ” . رواه البيهقي في شعب الإيمان . وصححه الشيخ الألباني.

جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية:

الأصل أن الصدقة تعطى للفقراء والمحتاجين ، وهذا هو الأفضل ، كما صرح به الفقهاء . وذلك لقوله تعالى : أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16) [البلد : 16] واتفقوا على أنها تحل للغني ؛ لأن صدقة التطوع كالهبة فتصح للغني والفقير .

قال السرخسي : ثم التصدق على الغني يكون قربة يستحق بها الثواب ، فقد يكون غنيا يملك النصاب، وله عيال كثيرة، والناس يتصدقون على مثل هذا لنيل الثواب. لكن يستحب للغني التنزه عنها ، ويكره له التعرض لأخذها ؛ لأن الله تعالى مدح المتعففين عن السؤال مع وجود حاجتهم، فقال: “يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ” [البقرة : 273]ويكره له أخذها وإن لم يتعرض لها . ويحرم عليه أخذها إن أظهر الفاقة ، كما يحرم أن يسأل ، ويستوي في ذلك الغني بالمال ، والغني بالكسب ، لحديث : من سأل الناس أموالهم تكثرا فإنما سأل جمرا ، فليستقل أو ليستكثر أي : يعذب به يوم القيامة .لكن نقل الرملي عن ابن عبد السلام أن الصحيح من مذهب الشافعي : جواز طلبها للغني ، ويحمل الذم الوارد في الأخبار على الطلب من الزكاة الواجبة .

والله أعلم.