السؤال:

ما حكم الشرع في منع الوالدين بنتهم من الزواج أي يرفض الأب زواج البنت ويقول لها ابقي عندي مع أنها ترغب في الزواج في شخص تحبه؟

الجواب:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فللبنت الحق في اختيار من ترغب أن يكون زوجا لها، ولا يجوز للولي أن يتعسف في تزويج ابنته إذا كان من تقدم لها قادرا على مؤنة الزواج، وهو من أهل الدين والخلق.فإذا قام الولي بعضل من هي تحت ولايته، فأبى أن يزوجها بصاحب الدين والخلق، فإنَّ للفتاة أن ترفع أمرها إلى المحاكم لتنتقل الولاية للقاضي على مذهب الجمهور من حنفية ومالكية وشافعية، أو تنتقلالولاية إلى غيره من الأولياء، على رأي الحنابلة.

هذا خلاصة ما أفتى به الدكتور محمد سعدي –عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين-:

فعندما جعل الله ـ سبحانه وتعالى ـ  الولاية في أيدي الرجال منعهم من عضل النساء (منع البنت من الزواج بالكفؤ)، وقد وجَّه الرسول صلى الله عليه وسلم خطابه لأولياء النساء مبينا لهم من يختارون لنسائهم، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض. سنن الترمذي[1]

وذلك لأن العبرة في قبول الزوج هو الدين، فإن كان الرجل قادرا على مؤنة الزواج، وهو من أهل الدين فلا حرج على المرأة أن تتزوجه بموافقة وليها. فإذا كان أهل الفتاة يعارضون الزواج لأنَّ الرجل لا دين له أو لا خلق له، فيجب على الفتاة أن تسمع لهم، وأن تطيعهم، أما إذا رفضوا نتيجة للعادات والتقاليد البالية فهذا ليس من حقهم.

ومن مظاهر أهلية المرأة حقها في اختيار زوجها ابتداءً، وحقها في الرجوع إلى طليقها إن هي أرادت ذلك، والولي ـ إذا كان الزوج من أهل الدين والأخلاق ـ لا يملك إلا الموافقة، ويحرم عليه العضل.

وقد جاء في مسند الإمام أحمد أن جارية بكراً أتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة فخيرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فعن عائشة قالت جاءت فتاة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إن أبي زوجني بن أخيه يرفع بي خسيسته فجعل الأمر إليها قالت فإني قد أجزت ما صنع أبي ولكن أردت أن تعلم النساء أن ليس للآباء من الأمر شيء. [2]

وقد قال تعالى لأولياء المرأة المطلقة التي يريد زوجها مراجعتها: {وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} [البقرة: 232].

وقد روى البخاري عن الحسن رضي الله عنه أنه قال: قال الله: (فلا تعضلوهن) قال حدثني معقل بن يسار أنها نزلت فيه.. يقول: ( زوجت أختاً لي من رجل فطلقها حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها، فقلت له: زوجتك وأكرمتك فطلقتها، ثم جئت تخطبها!! لا والله لا تعود إليها أبداً، وكان رجلاً لا بأس به وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، فأنزل الله هذه الآية، فقلت: الآن أفعل يا رسول الله فزوجته إياها)..

وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية:

وقد اتفق الفقهاء على أنه إذا دعت المرأة إلى الزواج من كفء، أو خطبها كفء، وامتنع الولي من تزويجه دون سبب مقبول ، فإنه يكون عاضلا ؛ لأن الواجب عليه تزويجها من كفء ، وسواء طلبت التزويج بمهر مثلها أو دونه ، كما يقول الشافعية والحنابلة ؛ لأن المهر محض حقها وعوض يختص بها ، فلم يكن للولي الاعتراض عليه؛ ولأنها لو أسقطته بعد وجوبه سقط كله، فبعضه أولى، وعند الحنفية: الامتناع عن التزويج بمهر المثل لا يعتبر عضلا، ولا يعتبر الولي عاضلا إذا امتنع من تزويجها من غير كفء … ذهب الفقهاء إلى أنه إذا تحقق العضل من الولي وثبت ذلك عند الحاكم ، أمره الحاكم بتزويجها إن لم يكن العضل بسبب مقبول ، فإن امتنع انتقلت الولاية إلى غيره .

لكن الفقهاء اختلفوا فيمن تنتقل إليه الولاية ، فعند الحنفية ، والشافعية والمالكية – عدا ابن القاسم- وفي رواية عن أحمد أن الولاية تنتقل إلى السلطان لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ” فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له ” ؛ ولأن الولي قد امتنع ظلما من حق توجه عليه فيقوم السلطان مقامه لإزالة الظلم ، كما لو كان عليه دين وامتنع عن قضائه . وروي ذلك عن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه وشريح ، لكن ذلك مقيد عند الشافعية بما إذا كان العضل دون ثلاث مرات.

والمذهب عند الحنابلة أنه إذا عضل الولي الأقرب انتقلت الولاية إلى الولي الأبعد، نص عليه أحمد ؛ لأنه تعذر التزويج من جهة الأقرب فملكه الأبعد كما لو جُنّ؛ ولأنه يفسق بالعضل فتنتقل الولاية عنه ، فإن عضل الأولياء كلهم زوج الحاكم. أهـ

فإذا قام الولي بعضل من هي تحت ولايته، فأبى أن يزوجها بصاحب الدين والخلق، فإنَّ للفتاة أن ترفع أمرها إلى المحاكم لتنتقل الولاية للقاضي على مذهب الجمهور من حنفية ومالكية وشافعية، أو تنتقلالولاية إلى غيره من الأولياء، على رأي الحنابلة.

وعليك أيتها السائلة الكريمة أن تحاولي مع وليك وتقنعيه بضرورة الزواج بمن أحببت، فإن هو اقتنع فخير، وإن لم يقتنع فعليك بالاستعانة بمن تظنين أن لهم تأثيرا عليه فيقنعوه بضرورة رجوعك إلى زوجك، وأن في هذا خيرا لك، وأوصيك بتكرار المحاولة تلو المحاولة، وقديما قالوا: من أدام القرع أوشك له بالإذن والدخول، فالإلحاح على فكرة في أذن شخص معين لها تأثير أشد من السحر في نفسه، وعليك بسلاح المؤمن (الدعاء).

وإصرار الفتاة على أن تتزوج من رجل صالح كفء قد تقدم لها لا يعد من العقوق في شيء إذا كان اعتراض الأهل قائم على غير أساس شرعي وكان رفضهم سببه اتباع الهوى فإن الفتاة في هذه الحالة لا تعد عاقة لأهلها.

وننبه الفتاة السائلة بأن تعسف الولي لا يبرر أن تقوم الفتاة بتزويج نفسها، فالولي في عقد النكاح قد اشترطه جمهور الفقهاء؛ فقد روى أبو داود في سننه عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَالْمَهْرُ لَهَا بِمَا أَصَابَ مِنْهَا فَإِنْ تَشَاجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ”. فهذا الحديث صريح في أن المرأة لا تستقل بتزويج نفسها، وأن عقد النكاح يكون للرجال لا النساء.

وقال ابن عبد البر في التمهيد :

روينا عن أبي هريرة أنه قال البغايا اللائي ينكحن أنفسهن بغير ولي وعن عائشة أنها كانت إذا أنكحت رجلا من قرابتها امرأة منهم ولم يبق إلا العقد قالت اعقدوا فإن النساء لا يعقدن وأمرت رجلا فأنكح. أهـ

وذلك لأنَّ مباشرة الولي لعقد النكاح له شأن كبير في ضمان حق المرأة وتحصيل مصالحها، ولذلك فقد اتفق الفقهاء على استحباب الولي في النكاح ، ولكنهم اختلفوا في اشتراطه ، فالجمهور يشترط الولي في النكاح ويرى أن النكاح لا يصح بدونه، ومع هذا يوجبون على الولي مشاورة المرأة في زواجها ، ولا يجيزون إجبارها على زوج ما إذا كانت رشيدة، ولكن الحنفية يرون أن المرأة البالغة الرشيدة إذا عقدت النكاح بدون وليها صح نكاحها ، وخاصة إذا تعسف الولي في استعمال ولايته عليها .

فعلى السائلة الكريمة أن تسأل الله تعالى أن يرشدها لما فيه مصلحة دينها ودنياها، وأن تقنع أهلها وترضيهم بالمودة، كما أن عليها أن تعلم أن ذلك الرجل سيظل أجنبياً عنها إلى أن يتم عقده عليها، فلا يجوز لها أن تختلي به وألا تبدي أمامه شيئاً من جسدها، وإذا تعسف الولي معها بأن كان يرفض الخاطب الكفء الذي يرضى دينه وخلقه لحجج واهية ؛ كعدم المساواة في الوضع الاجتماعي ، أو لجريان عرف القبيلة بألا تزوج بناتها لغير أبنائها ، أو دولة ما بألا تزوج بناتها لغير الحاصلين على جنسيتها…ونحو ذلك فعليها أن تبذل جهدها في إقناعه وأن تستعين على أهلها بالعقلاء عندها ومن لهم كلمة مسموعة.
والله أعلم.

___________________

[1] حسنه الشيخ الألباني.

[2] تعليق شعيب الأرنؤوط : حديث صحيح، وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين إلا أنه قد اختلف فيه على كهمس بن الحسن