السؤال:

آنسةٌ تجاوزت سِنَّ الثلاثين، وتسكن مع والدتها التي تبلغ من العمر الحادية والسبعين من العمر في شقة مكونة مِن ثلاث غُرف، ومشكلتها أن إخوتها جميعًا يسكنون في أسرهم، في مساكنَ خاصةٍ بهم، ويتردَّدون فقط على مسكن والدتهم لزيارتها.     وأن أمها قد وعدتها بأنه إذا تقدم خطيب لزواجها فإنها ستأذن له بالسُّكْنَى معهما في هذا المسكن، إذ إنها فوق حاجتها إلى رعاية ابنتها لها، تُؤيد أن تُسهم في تيسير الأمر لزواج هذه البنت.

ولكن بعد أن تقدم لها شاب، ونفَّذ كل ما كُلِّف به من المهر والشبكة، رغم أن التكلفة ـ كما تقول ـ كانت مُرهقة في ذاتها، رفضت أمها أن يَسكن معهما، كما وعدت من قبلُ، علمًا بأن عقد الإيجار باسم الأم.

وترى الآنسة السائلة: أن مشكلة السكن في الوقت الحاضر تكاد تكون العقبة الصعبة التي قلَّما تُزلَّل في طريق الشباب نحو تحقيق أمانيهم في تكوين الأسرة، وترجو أن نُساعدها في إقناع والدتها بالسماح للزوج المُقبل بالسكن معهما.

 

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :

لا يجب على الأم أن تسكن ابنتها وزوجها في مسكنها الخاص، وتخوفاتها من هذه السكنى المشتركة لها مبرراتها المقنعة كما أن لتخوفات البنت على مستقبلها مبرراتها المقبولة. والنصيحة للأم أن تقبل بسكنى بنتها وزوجها معها متى أنست من هذا الزوج  خلقا وأمانة وعفة، ولتلجأ إلى الله، فهو وحده المسئول عن تبديد مخاوفها.

وهذا ما أفتى به الشيخ الدكتور محمد البهي من علماء الأزهر- رحمه الله- وإليك نص فتواه في ذلك:

الآنسة السائلة تخشى أن يَفوتها “القطار” كما يُقال، وهي الآن وإن كانت تسكن مع والدتها التي بلغت من السن الحادية والسبعين، فإنها في غدها قد تكون وحيدة، وحزنها عندئذ سيكون حزنًا مُزدوجًا: أولاً: أنها أخفقت في تحقيق أملها في الزواج.. وثانيًا: ترى أن شريط الحياة يمرُّ أمامها في صخَب، وهرَج، ومرج، وهي معزولة قعيدة المسكن، وينتابُها من الأوهام والوساوس ما لا قِبَلَ لها بتحمُّله، كما ينتابها الشكُّ، ثم اليأس من الحياة.

فالمرأة في سِنِّ الثلاثين إذا فاتها الرجل في حياتها دخلت مرحلة التلهُّف عليه في غير تُؤَدَةٍ، وفي غير اختيارٍ منها، ثم أخيرًا يُعذبها الشك، وينقلها إلى مرحلة بين الموت والحياة، لا تستمتع بمُتع الدنيا فيها إطلاقًا.

فخشية السائلة من عذاب المرحلة القادمة في حياتها إذا لم تتزوج: هي التي تجعلها تُلِحُّ على والدتها في قبول زوجها المقبل: أن يسكن معهما.

ووالدة السائلة تخشى أيضًا أن يتحوَّل الأمر بالنسبة لها، بعد سكن الزوج: إلى عدم الاستقرار وإلى الوحدة التي ستُحتم عليها البقاء في حُجرتها أطول مدة مُمكنة في ليلها ونهارها، على السواء، فالشخص الثالثالذي سيدخل عليهما في المسكن وهو زوج ابنتها، ستكون علاقته بالبنت علاقة زوج بزوجته، وهي علاقة خاصة تَفرض عليهما في كثير في الأحيان: أن تكون لهما أسرار خاصة.. وجلسات خاصة.. وأحاديث خاصة.. ورفقة خاصة.. إلى غير ذلك مما تُؤدي إليه علاقة الزوج بزوجته في حياتهما الزوجية.

وبالإضافة إلى هذه العلاقة الخاصة التي ستعزل الأم عن ابنتها، والتي ستجعل من الأم “وحيدة” بقية حياتها، وهي أحوج إلى مَن يكون برفقتها ومُصاحبتها: قد يكون الزوج من أولئكم الذين يُمارسون الإدارة ممارسة لا ترعَى الرحمة والشفقة بحَماته المُسنَّة، أو مِن أولئكم الذين يَعصفون براحة السكْنَى وهدوء العلاقات، لأَوهَى الأسباب، وهنا تحترق الأم: إما على حالها التي صارت إليه.  أو على حال ابنتها مع زوجها.. الغضوب أو الأحمق.

والخوف ـ إذن ـ هو العامل الرئيسي لدى الأم، ولدَى ابنتها في هذه المشكلة على السواء، الأم تخاف من العزلة والوحدة، وعدم الاستقرار في السكن، والبنت تخاف الوحدة والعزلة وعدم الاستقرار في الحياة، والسبب في خوف كل منهما واحد وهو الزوج الجديد، فإتمام الزواج مصدر خوف للأم، وعدم إتمامه مصدر خوف للبنت.

والأم ـ إذن ـ لا تكره ابنتها، وقد حملتْها وهنًا على وهْن.. لا تكره سعادتها في الزواج، بل بالعكس هي تتمنَّى: أن يكون لها زوج في أقرب فُرصة.. وهي تدعو لها في الصلاة أن تُوفَّق إلى زوج يُنقذها من حياة العناس.. والبنت لا تَبغض أمها ولا تشكو منها عن حقْد أو غِلٍّ. وإنما القلَق النفسيُّ لدَيها هو مصدر شكواها منها.

وربما كان سلوك الخطيب، وكانت تصرُّفاته مصدر الخوف عند الأم على مستقبلها معه مع ابنتها، فالبنت لا يُنتظر منها في هذه السن أن تتريَّث وتتأنَّى في اختيار زوجها؛ إذ تُدفع دفعًا إلى قبول مَن يتقدَّم إليها، بحُكم هذه السِّنِّ، وبالتالي يجب على البنت لإقناع أمها: أن تُلاحظ تصرُّفات خطيبها الآن، وسُلوكه معها أو مع والدتها، وتُرشده إلى الأسلوب الذي ترضَى عنه الوالدة، أو يَجعلها تَميل إلى قبوله معهما في السكَن، والأسلوب الذي تُباركه الوالدة هو أن يكون هادئًا في حديثه ومُقنعًا في مَنطقه، وذا عِفَّة، وقناعة فيما يُشارك فيه الأسرة مِن الأكل والشرب، ولا تُحِسُّ منه إطلاقًا: أنه لا يُقدرها ولا يَحترمها، وأن لا يُكثر مِن الوعود التي قد لا يفي بها ويتجنَّب اللغْو والنُّكْتة في القول، والصراخ عند الانفعال.

والأم بدَورها يجب أن تدرك أنها ضحَّت بالكثير في حياتها لأجل أولادها: إن في حمْلهم.. أو في إرضاعهم.. أو تربيتهم.. أو في تَدبير المنزل لشئونهم. يجب أن تُدرك أن الواحد والسبعين عامًا التي مضت عليها الآن كانت كلها أعوام تضحية في سبيل الأولاد كلهم، فإذا ما قُدِّر عليها أن تكون ابنتها الأخيرة ـ وهي السائلة هنا ـ لم تزل في حَضانتها فلتُقدم لها الآن من التضحية، بالسماح لزوجها بالسكنى معها في هذه الضائقة في المسكن، ما يُطمئنها على مُستقبلها، والله وحده هو الكفيل بأن يتولَّى الأم والبنت معًا، برِعايته، ويَهدي السبيل للجميع، ويصون حياتهم من القلق بسبب الخوف، فقد امتَنَّ الله على قريش بأن جنَّبها الجُوع والخوف معًا، فيقول: “فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا البيْتِ، الذِي أَطْعَمَهُمْ مِن جُوعٍ وآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ”. “قريش:3ـ 4”.. إنقاذًا لهم من الموت، بسبب الجوع.. أو بسبب الخوف. فإبعاد الخوف عن الإنسان كإبعاد الجوع سواءً بسواء. نعمة كُبرى من الله ـ سبحانه و تعالى ـ لا يُدركها إلا مَن ابتلاهُ الله بهذا أو بذاك.

والله أعلم.