السؤال:

أنا متزوِّج، ولي ولد في التعليم ويوشِك أن يتخرّج، وحدث بيني وبين زوجتي شِجار بسبب تعليم هذا الابن، فأقسمْتُ يمينًا أنه لن ينفعني، سواء تعلَّم وأتى بمال، أم لم يتعلَّم ولم يأتِ بمال، فما الرأي؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :

هذه اليمين داخلة في اللغو، فلا تجب به كفارة، ولا يجب على الوالد بسبب هذه اليمين قطع ولده عن إتمام دراسته، وهذا ما أجاب به الدكتور محمد البهي- رحمه الله- من علماء الأزهر. وإليك نص فتواه في ذلك.

إن السائل ـ وهو هنا والد لابن قارَب على التخرُّج من الجامعة ـ من جملة كثيرين يستهدفون من تعليم أبنائهم منفعةً مادِّيّة تَعُود عليهم هم، وبالأخص عند الحاجة أو في سِنٍّ متأخِّرة من عمرهم، ولذا حرصهم على تعليم أبنائهم هو حِرص على تحصيل منفعة شخصيّة .. ودفعهم لهؤلاء الأبناء في طريق إتمام دراستهم هو دفع للتعجيل بهذه المنفعة.. وغضبهم من أبنائهم هو بسبب أنهم بتخلُّفهم في النجاح يُرجِئون هذه المنفعة فترة أخرى من الزمن.

ويَرَوْنَ في التعليم من أجل ذلك نوعًا معيّنًا. هو تحصيل المعرفة التي تهيِّئ للنجاح في الامتحانات العامة. أما التربية وتكوين العادات الفاضلة.. أما الثقافة العامة.. أما الدُّرْبة على الصبر والتحمُّل عند الصعوبات.. أما المسؤوليّة الفرديّة والشعور بها.. أما تكوين الضمير الإنساني والإفادة من رقابته الذاتية على التصرفات.. أما الشخصية واستقلالها: فقلَّما يُعنى بها هؤلاء النفعيُّون عن طريق تعليم أبنائهم.

ومن هنا كثيرًا ما يُفْجَعون في هؤلاء الأبناء، فيظهر فيهم العقوق واضحًا بعد تخرُّجهم والتحاقهم ببعض الوظائف العادية، وكثيرًا ـ أيضًا ـ ما يَنزَعِجون من فشَلِهم في الحياة وتهرُّبهم من المسؤوليات بعد أن يتخرَّجوا ويُباشِروا وظائفهم أيضًا.

وقلّة من الآباء هي التي تَحرِص على تربة أولادهم، والتعليم المدرسيّ أو الجامعيّ جزء من هذه التربية. ولذا لا يَستَهدِفون منفعة شخصية من وراء إتمامهم الدراسة الجامعية وشَغلهم بعض الوظائف. ومن هنا يَسْلُكون معهم مسلك الأصدقاء: في نقل تَجاربهم إليهم.. وفي التفاهم معهم على ما ينبغي، وما لا ينبغي من التصرُّفات في كل مرحلة من مراحل تطوُّر الإنسان.

ولعل أحسن وصية تُعَبِّر عن هذه التربية: ما جاء على لسان لقمان ـ وقد ميّزه الله بالحكمة ـ إلى ابنه. إذ يقول له: (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصّلاةَ وأْمُرْ بالمَعروفِ وانْهَ عَنِ المُنْكَرِ واصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمورِ “أي من الأمور الواجب أداؤها.. فدعاه إلى الاتصال بالله..وإلى استقامة السلوك.. وإلى التحمل عند المصاعب”. ولاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ للنّاسِ “أي لا تنظر إلى الناس بجانب من وجهك كما يفعل المتكبِّرون. بل كن مهَذَّبًا ومتواضِعًا” ولا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا “أي لا يكن سيرك في الطُّرُقات تَسَكُّعًا ومن غير هدف جدِّيٍّ في الحياة” إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخورٍ) “أي أن الله لا يرضَى عن أصحاب الخُيَلاء والمتعاظِمين على غيرهم من الناس، فيدعوه إلى الأسلوب المهذَّب في معاملة الناس.. وإلى أخذ الأمور في الحياة التي يتحرّك في سبيلها الإنسان مأخذ الجدّ”. واقْصِدْ فِي مَشْيِكَ “أي كُنْ عدلًا ومتوازنًا في مشيِك فلا تَدِبّ على الأرض دَبًّا.. ولا تثِب أو تقفِز” واغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ “أي وليكنْ صوتُكَ معتدلاً، غير منفِّر لسامعك” إِنَّ أَنْكَرَ الأصْواتِ لَصَوْتُ الحَمِيرْ) وهنا يطلب إليه كذلك أن يبتعد عن الهوج في حركته.. وعما يزعِج الآخرين من نَفرة الصوت في حديثة معهم. (لقمان: 17ـ19).

أما ما أقسم عليه السائل ـ وهو أن ابنه لا ينفعه: تعلَّم، أم لم يتعلَّم ـ فيمينه لغوٌ؛ لأنه لا يعلم المستقبل ولا يقدِر على علمه في لحظته التي أقسم فيها. إذ ربَّما يأتي المستقبل بخلاف ما ظَنَّ وأقسم عليه الآن. واليمين اللغو هي من سقَط الكلام.. أو من الخطأ الذي لا يؤاخَذ عليه.

وأجدر بالسائل أن يعود إلى الأسلوب الهادئ في معاملة زوجته وولده.. وأن يُبعد الجفوة بينه الآن وبين ولده، ويضع بدلَها: الصداقة والمشورة المُتَبادَلة. فلعلَّ ذلك يُغَيِّر من أمر الابن شيئًا لصالحه، قبل صالح والده.

والله أعلم.