السؤال:

كيف نفهم حديث «لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه». مع سماحة الإسلام.

 

 

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :

قد يكون المراد بالسلام المنهي عنه تحية الإسلام الخاصة، وهذا لا يلزم منه منع السلام بما اعتاده الناس، مع أن إلقاء تحية الإسلام على غير المسلمين من المسائل التي اختلف فيها الأوائل والأواخر  حتى بين الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.

وإما اضطرارهم إلى أضيق الطرق، فإما أن يكون المقصود أن هذا في وقت التحضير للحروب ، وإما أن يكون المراد أن هذا إذا ضاقت الطرق.

جاء في موقع الإسلام اليوم:

..هذا الحديث: «لا تبدؤوا اليهودَ ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدَهم في طريقٍ فاضطروه إلى أضيقه»(1). عندما نأخذه دون رويَّة يقع اللبس والتردد؛ لكن عندما نأخذ كلام أهل العلم بالتفصيل، ونجمع النصوص يتغير الحال. فلو جمعنا هذا الحديث مع النصوص القرآنية، كقول إبراهيم لأبيه: {سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي} [مريم: 47].. وقوله تعالى: {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} [القصص: 55]، وقوله تعالى: {وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا} [النساء:86].

فيكون المعنى: لا نبدؤهم بالسلام الذي هو تحية الإسلام، مع أن مِن أهل العلم مَن يرى جواز ذلك، وكان بعض الأئمة يقول: إن أُسلِّم فقد سَلَّم الصالحون، وإن أترك فقد ترك الصالحون(2). فالباب مفتوح، والقضية فيها آراء واجتهادات للأئمة والعلماء، وابن مسعود وجماعة من الصحابة كانوا يرون ذلك، لا سيما إذا كان له مسوِّغ(3)، مثل أن يكون قريبًا أو جارًا، أو بينك وبينه معاملة، أو تطمع في هدايته، أو ما أشبه ذلك من المعاني.

وعلى القول الآخر أن المنهي عنه لفظ السلام؛ تكون البداءة بالتحية بمثل: صباح الخير، أو مساء الخير، أو كيف أصبحت، أو مرحبًا، أو ما أشبه ذلك من العبارات الأخرى لا شيء فيه، فيكون الأمر في ذلك واسعًا.

وأيضًا: قوله صلى الله عليه وسلم: «فإذا لقيتم أحدَهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه» فقد ذكر الأئمة- ومنهم الشيخ ابن عثيمين رحمه الله(4)- وجماعة: أنه لم يُؤْثَر في هدي النبي صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة- لا في المدينة ولا في المناطق التي فُتِحَت كلها- أنهم كانوا إذا وجدوا يهودًا أو نصارى في الطريق يتمايلون عليهم ليضطروهم إلى أضيق الطريق، ولم يكن هذا هو الهدي العملي الذي كانوا يسلكونه، على كثرة مخالطتهم لهم في المدينة وفي سائر البلاد، وإنما يُحْمَل هذا على أحد أمرين:

الأمر الأول: إما أن يكون هذا في حالات التمهيد والتحضير لوجود حرب، مثلما وقع من اليهود لما غدروا، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في «زاد المعاد»(5): أن هذا وقع لما غدر اليهود، وذهب النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، فكان يقول لأصحابه هذا المعنى.

الأمر الثاني: أن يكون هذا محمولًا على أن الطريق إذا كان ضيقًا فعليكم أن تأخذوا حقَّكم من الطريق؛ فأنتم أصحاب الحق والأصل.

إن مثل هذه النصوص ينبغي أن تُؤْخَذ بهدوء واعتدال، ومن دون إفراط ولا تفريط، وأن يُوضَع النص إلى جوار النصوص الأخرى الواردة في السياق والموضوع، وأن يُوضَع أيضًا في سياقه وظرفه التاريخي الذي يفيد أنه مرهون بحالة خاصة تكون كالشرط في فهم النص، وليس له صفة الإطلاق في كل حال.

وقد مرَّ النبي صلى الله عليه وسلم على مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين واليهود فسلم عليهم كما في صحيح البخاري(6).

إن إلقاء السلام على قوم يحضِّر المسلمون لحربهم، أو يعدُّون العدة لمقاتلتهم قد يكون نوعًا من الغدر، وكأنه وعد وعهد وميثاق لا يجوز للمسلم نقضه، ولذا قال ربنا سبحانه: {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا} [النساء:94].

والله أعلم.

(1) رواه مسلم (2167).

(2) نسب ذلك للأوزاعي رحمه الله. انظر: شرح مسلم للنووي (14/145)، وشرح صحيح البخاري لابن بطال (9/34).

(3) انظر: تفسير القرطبي 11/103, وفتح الباري 11/35, وزد المعاد 2/388.

(4) انظر: الصحوة الإسلامية ضوابط وتوجيهات لابن عثيمين ص: 189.

(5) انظر: زاد المعاد 2/425.

(6) صحيح البخاري (5663).