السؤال:

أحيكم على هذا الموقع الطيب، وسؤالي:
عندي بنت عمرها عام وقد استغنت تماما عن لبن الرضاعة الطبيعي، وهي الآن تأكل كما يأكل الكبار، فهل إذا رضعت من أختي تكون أختي أما لها علما كما قلت لسيادتكم إنها استغنت عن الثدي تماما، وجزاكم الله خيرا.

الجواب:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فإن الفقهاء قد اتفقوا على أن الرضاع إذا حصل قبل الحولين ولم يفطم الطفل فإن الرضاع الواقع في هذه الحال تثبت به المحرمية.

 ولكن اختلفوا في الفطام يحصل قبل مرور الحولين ويستغني الطفل عن اللبن ويعتمد على غيره من الأغذية ثم يرضع الطفل هل يثبت بهذا الرضاع محرمية؟

فذهب المالكية إلى أن هذا اللبن لا يثبت به تحريم، وذلك لأن الطفل قد استغنى عن اللبن.

 وأيضا قد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء وكان قبل الفطام”. أخرجه  الترمذي، وصححه الشيخ الألباني، وقوله صلى الله عليه وسلم: “إنما الرضاعة من المجاعة”. متفق عليه. .

قال الإمام أبو سليمان الخطابي في معالم السنن:

معناه أن الرضاعة التي بها يقع الحرمة ما كان في الصغر والرضيع طفل يقويه اللبن ويسد جوعه فأما ما كان منه بعد ذلك في الحال التي لا يسد جوعه اللبن ولا يشبعه إلا الخبز واللحم وما كان في معناهما فلا حرمة له.أهـ

وجاء في بداية المجتهد لابن رشد:

 واختلفوا إذا استغنى المولود بالغذاء قبل الحولين وفطم ثم أرضعته امرأة فقال مالك: لا يحرم ذلك الرضاع، وقال أبو حنيفة والشافعي: تثبت الحرمة به.

وسبب اختلافهم: اختلافهم في مفهوم قوله عليه الصلاة والسلام “فإنما الرضاعة من المجاعة” فإنه يحتمل أن يريد بذلك الرضاع الذي يكون في سن المجاعة كيفما كان الطفل وهو سن الرضاع، ويحتمل أن يريد إذا كان الطفل غير مفطوم، فإن فطم في بعض الحولين لم يكن رضاعا من المجاعة، فالاختلاف آيل إلى أن الرضاع الذي سببه المجاعة والافتقار إلى اللبن هل يعتبر فيه الافتقار الطبيعي للأطفال وهو الافتقار الذي سببه سن الرضاع أو افتقار المرضَع نفسه وهو الذي يرتفع بالفطم ولكنه موجود بالطبع؟

 والقائلون بتأثير الإرضاع في مدة الرضاع سواء من اشترط منهم الفطام أو لم يشترطه اختلفوا في هذه المدة، فقال هذه بالمدة حولان فقط.

وبه قال زفر، واستحسن مالك التحريم في الزيادة اليسيرة على العامين، وفي قول الشهر عنه. وفي قول عنه إلى ثلاثة أشهر.

وقال أبو حنيفة: حولان وستة شهور. أهـ

وجاء في التاج والإكليل لمختصر خليل  من كتب المالكية:

 فَإِنْ وَقَعَ الْفِطَامُ وَلَوْ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ ثُمَّ وَقَعَ الرَّضَاعُ فِيهِمَا بَعْدَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ وَانْتِقَالِ عَيْشِهِ إلَى الطَّعَامِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يُحَرِّمُ ( مَا حَرَّمَهُ النَّسَبُ). أهـ

وجاء في حاشية الدسوقي على الشرح الكبير من كتب المالكية أيضا:

( قَوْلُهُ : إلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ) أَيْ بَعْدَ الْفِطَامِ كَمَا قَالَ بِحَيْثُ إلَخْ أَيْ وَأَمَّا لَوْ اسْتَمَرَّ الرَّضَاعُ مِنْ غَيْرِ فِطَامٍ كَانَ مُحَرِّمًا فِي مُدَّتِهِ مُطْلَقًا، وَلَوْ اسْتَغْنَى عَنْهُ بِالطَّعَامِ بِالْفِعْلِ ( قَوْلُهُ : وَلَوْ فِيهِمَا ) أَيْ فَإِنْ اسْتَغْنَى بِالطَّعَامِ بَعْدَ الْفِطَامِ كَانَ غَيْرَ مُحَرِّمٍ، وَلَوْ كَانَ الِاسْتِغْنَاءُ فِي الْحَوْلَيْنِ أهـ

 وعلى هذا فالرضاع بعد الفطام لا ينشأ محرمية ولكن الحنفية والشافعية والحنابلة ذهبوا إلى أن هذا اللبن يقع به التحريم.

جاء في بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع  من كتب الحنفية:

لو فُصل[1] الرضيع في مدة الرضاع ثم سقي بعد ذلك في المدة[2]؛ كان ذلك رضاعا مُحرِّما ولا يعتبر الفطام وإنما يعتبر الوقت فيحرم عند أبي حنيفة ما كان في السنتين ونصف وعندهما ما كان في السنتين؛ لأن الرضاع في وقته عُرِفَ محرما في الشرع لما ذكرنا من الدلائل من غير فصل بين ما إذا فطم أو لم يفطم.

وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه قال : إذا فطم في السنتين حتى استغنى بالفطام، ثم ارتضع بعد ذلك في السنتين أو الثلاثين شهرا؛ لم يكن ذلك رضاعا؛ لأنه لا رضاع بعد الفطام وإن هي فطمته فأكل أكلا ضعيفا لا يستغني به عن الرضاع، ثم عاد فأرضع كما يرضع أولا في الثلاثين شهرا فهو رضاع محرم كما يحرم رضاع الصغير الذي لم يفطم ويحتمل أن تكون رواية الحسن تفسيرا لظاهر قول أصحابنا وهو أن الرضاع في المدة بعد الفطام إنما يكون رضاعا محرما لم يكن الفطام تاما بأن كان لا يستغني بالطعام عن الرضاع، فإن استغنى لا يحرم بالإجماع ويحمل قول النبي صلى الله عليه وسلم { لا رضاع بعد الفصال } على الفصال المتعارف المعتاد وهو الفصال التام المغني عن الرضاع.

وجاء في الحاوى الكبير للماوردى من كتب الشافعية:

 فصل : فإذا ثبت تحديد تحريمه بالحولين فلا فرق بين أن يستغني فيها بالطعام عن الرضاع أم لا.

 وقال مالك: إنما يثبت تحريم الرضاع إذا كان محتاجا إليه غير مستغن بالطعام عنه.

 وهذا فاسد؛ لأن تقدير الرضاع بالحولين يقتضي أن يكون معتبرا بالزمان دون غيره؛ ولأن تعلقه بالحولين نص، واستغناءه بالطعام اجتهاد، وتعليق الحكم بالنص أولى من تعليقه بالاجتهاد؛ ولأن اعتباره بالحولين علم واعتباره بالاستغناء خاص، واعتبار ما عم أولى من اعتبار ما خص.

وقال ابن قدامة -رحمه الله تعالى- في المغني من كتب الحنابلة:

فالاعتبار بالعامين لا بالفطام، فلو فطم قبل الحولين, ثم ارتضع فيهما، لحصل التحريم، ولو لم يفطم حتى تجاوز الحولين، ثم ارتضع بعدهما قبل الفطام. لم يثبت التحريم.أهـ

والله أعلم.

[1] فصل أي فطم.

[2] أي مدة الحولين