السؤال:

كنت أقرأ قول الله تعالى ” وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ” فهل تفضيل الله عزوجل لبني إسرائل مستمر، وكيف نفهم هذا التفضيل؟ وجزاكم الله خيرا.

الجواب:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فتفضيل بني إسرائيل على العالمين مقصود به تفضيلهم على أمم زمانهم في بدء إيمانهم فلما بدلوا كتاب ربهم، استحقوا عذاب الله على الفاسقين، ونسخت شريعتهم التي حرفوها، وعلى أمة الإسلام أن تأخذ العبرة من صنيع الله بالأمم السالفة.

قد جاء هذا التفضيل في قول الحق سبحانه تعالى في سورة الجاثية : (وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ وَآَتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) وفي هذه الآيات يذكِّر الله بني إسرائيل بنعمه سبحانه وتعالى من إرسال الرسل لهم وتنزيل الكتب المقدسة عليهم والحكمة نزلها الله عليهم حتى يصلحوا لقيادة العالم للخير، كما شاهدوا الكثير من آيات الله من تنجيتهم من فرعون وفلق البحر وتظليل الغمام عليهم ، وهذا التفضيل علَّهم يؤمنون به ويتركون كفرهم.

وقد جاءت آيات أخرى من الذكر الحكيم تحمل هذا المفهوم فقال تعالى: (وإذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُروا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبَياءَ وجَعَلَكُمْ مُلوكًا وآَتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ العَالَمِينَ) (سورة المائدة : 20)

وقال أيضا: :( ولَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى العَالَمِينَ ) (سورة الدخان : 32)

وقد كان تفضيل الله عزوجل لبني إسرائيل في فترة مخصوصة من الأيام، وليس تفضيلا مطلقا على جميع البشر في كل الأزمنة والأمكنة، وهم أيضا لم يشكروا نعمة الله عليهم إذ فضلهم، بل كذبوا وجحدوا وأساءوا فحقت عليهم كلمة الله فدمرهم تدميرا، ومن أصناف العقوبات التي حلت على بني إسرائيل اللعنة والمسخ قال تعالى: (هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَـئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ )

وقال تعالى:(وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ  فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)

يقول القرطبي في تفسيره لتفضيل الله لبني إسرائيل على العالمين:

وأما تفضيل بني إسرائيل على العالمين فقد قال فيه ” يريد على عالمي زمانهم، وأهل كل زمان عالَم، وقيل: على كل العالمين: بما جعل فيهم من الأنبياء وهذا خاصّة لهم وليست لغيرهم. انتهى.

وقال الرازي صاحب مفاتيح الغيب :

قال : { وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ } يعني أنهم كانوا أكبر درجة، وأرفع منقبة ممن سواهم في وقتهم ، فلهذا المعنى، قال المفسرون: المراد : وفضلناهم عن عالمي زمانهم .أهـ

وقال صاحب الظلال في تفسيره لآية الجاثية:

كانت القيادة ـ قبل الإسلام ـ لبني إسرائيل. كانوا هم أصحاب عقيدة السماء التي اختارها الله لتلك الفترة من التاريخ. ولا بد للبشر من قيادة مستمدة من السماء. فالأرض قيادتها هوى أو جهل أو قصور. والله خالق البشر هو وحده الذي يشرع لهم شريعته مبرأة من الهوى فكلهم عباده، مبرأة من الجهل والقصور فهو الذي خلقهم وهو أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير.

{ وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ }..

فكان فيهم التوراة شريعة الله. وكان فيهم الحكم لإقامة الشريعة. وكان فيهم النبوة بعد رسالة موسى وكتابه للقيام على الشريعة والكتاب. وكثر فيهم الأنبياء وتتابعوا فترة طويلة نسبياً في التاريخ.

{ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ }..

فكانت مملكتهم ونبواتهم في الأرض المقدسة، الطيبة، الكثيرة الخيرات بين النيل والفرات.

{ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ }..

وكان تفضيلهم على أهل زمانهم بطبيعة الحال؛ وكان مظهر هذا التفضيل الأول اختيارهم للقيادة بشريعة الله؛ وإيتاءهم الكتاب والحكم والنبوة:

{ وَآَتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ }..

فكان ما أوتوه من الشريعة بينا حاسماً فاصلاً، لا غموض فيه ولا لبس ولا عوج ولا انحراف؛ فلم يكن هناك ما يدعو إلى الاختلاف في هذا الشرع البين كما وقع منهم؛ وما كان هذا عن غموض في الأمر، ولا كان عن جهل منهم بالصحيح من الحكم: فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ }.إنما كان ذلك عن تحاسد بينهم ، ونزاع وظلم ، مع معرفة الحق والصواب :{ بَغْيًا بَيْنَهُمْ } . وبذلك انتهت قيادتهم في الأرض ، وبطل استخلافهم ، وأمرهم بعد ذلك إلى الله يوم القيامة :{ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}

ثم كتب الله الخلافة في الأرض لرسالة جديدة ورسول جديد ، يرد إلى شريعة الله استقامتها ، وإلى قيادة السماء نصاعتها؛ ويحكم شريعة الله لا أهواء البشر في هذه القيادة : { ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ } .

وهكذا يتمحض الأمر . فإما شريعة الله . وإما أهواء الذين لا يعلمون . وليس هنالك من فرض ثالث ، ولا طريق وسط بين الشريعة المستقيمة والأهواء المتقلبة أهـ

وفي ضرب المثل ببني إسرائيل وبأن الله فضلهم ثم اختلافهم بعد قيام الحجة، وتبديلهم كلام ربهم وتحليلهم الحرام، وتحريم الحلال، وبغيهم على بعض وحب الرياسة، تحذير لأمة النبي صلى الله عليه وسلم “أن تسلك مسلكهم، وأن تقصد منهجهم؛ ولهذا قال: { ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ فَاتَّبِعْهَا } أي: اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو، وأعرض عن المشركين.[1]

والله أعلم.

[1] تفسير القرآن العظيم لابن كثير