السؤال:

أعلنت منظمة الصحة العالمية حالة الاستعداد القصوى وأن العالم قد دخل مرحلة الوباء العالمي بسبب انتشار مرض أنفلونزا الخنازير وسؤالي إليكم هو هل يجوز للمسلم في هذه الحالة أن يتخلف عن حضور الجمعة والجماعات؟ وهل يجوز للدولة أن تتدخل لمنع الشعائر التي تتطلب الاجتماع؟ وما حكم دخول الأماكن التي ينتشر فيها الوباء وما حكم الخروج منها؟ نرجو الإفادة وجزاكم الله عنا خيرا..

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..

فلا يجوز التخلف عن حضور الجمعة والجماعات لمجرد الإعلان الذي صدر عن منظمة الصحة العالمية، ولكن عندما يصبح الأمر وباء عاما وخطرا محدقا فيجوز في هذه الحالة التخلف عن حضور الجمعة والجماعات، بل هناك من ذهب إلى القول إلى عدم التخلف عن الجمعة والجماعات حتى مع وجود وباء حقيقي وذلك لأن المسلم بوسعه أن يؤدي الجمعة مع أهل بيته أو مع زملائه في مكان عمله، وليس بالضرورة أن يؤدي الجمعة حينئذ في المسجد. ومن حق ولي الأمر أن يمنع من ازدحام الناس في الأماكن التي يُخشى أن ينتقل المرض بالمخالطة الاعتيادية، سواء أكان هذا  في دور العبادة، أو في المصالح الحكومية، أو في وسائل النقل، أو نحو ذلك من الأماكن التي يتحقق فيها هذا الاجتماع.

يقول الأستاذ  الدكتور محمد كمال إمام –أستاذ الشريعة بالجامعات المصرية-:

القول بأن هذا وباء عالمي له معنى محدد في مفهوم منظمة الصحة العالمية وهذا المعنى المحدد هو أن المرض قد انتشر في دول عديدة من العالم، ولم يعد  قاصرا على مصدره الأساسي، فإعلان منظمة الصحة العالمية أنه وباء يعني أنه أصبح خطرا لدرجة كبيرة، ولكن الإعلان يستفاد منه أن المرض قد انتشر في بلد غير بلده الأصلي، وبالتالي فإن الحكم الشرعي فيما يتعلق بمسألة التخلف عن الجمعة والجماعات يتعلق  بكل مجتمع على حدة حسب انتشار المرض فيه وعدم انتشاره، وبالتالي فما أعلنته المنظمة لا يرتب أحكاما.

ويمكن القول بأن المكان الذي انتشر فيه المرض بحيث ينتقل فيه المرض بسرعة فهذا  تتخذ فيه كافة الاحتياطات والتدابير اللازمة وهذا لا يعني سقوط الجمعة؛ لأن سقوط الجمعة له أسباب معينة وأعذار معينة ليس منها هذا الأمر، فالناس سوف يجتمعون في أماكن العمل وفي البيوت وبالتالي يمكنهم أداء الجمعة حيثما يتواجدون ويجتمعون.

أما مسألة تدخل الدولة لمنع الشعائر التي يتطلب فيها الاجتماع، فابتداء المسألة لا تتعلق  بمنع الشعائر وإنما تتعلق بمنع المخاطر التي قد تترتب على  أداء الأفراد لهذه الشعيرة من زيادة المرض وزيادة كثافته، فكلما زادت المخاطر زادت سلطة الدولة باعتبار أن المحافظة على الصحة العامة هو من أهم واجبات الدولة.

أما مسألة دخول الأماكن التي فيها الوباء والخروج منها فإذا  كان الدخول ضروريا والخروج ضروريا فهنا نطبق نظرية الضرورة، والمصالح  والمفاسد، فنغلب ما زادت فيه المصلحة على المفسدة، ولا نستطيع أن نضع حكما عاما، فالمسألة ليست على هذا  النحو من التفريد وإنما تتعلق بكل حالة على حدة فإذا كان الدخول ضروريا  فإننا نقيس هذه الضرورة بنظرية المصالح والمفاسد..

ويقول فضيلة الدكتور عبد الفتاح إدريس –رئيس قسم الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر-:

من الأعذار التي ترخص التخلف عن الجمعة والجماعات خوف انتقال المرض من المريض إلى الصحيح عن طريق المخالطة في دور العبادة، قياسا على منع دخول المسجد لمن أكل ثوما أو بصلا أو شيئا له رائحة كريهة، أو كان يمتهن مهنة يترتب عليها  تلوث ثيابه بالقاذورات، أو الأشياء ذات الروائح الكريهة التي يتأذى منها الناس في المساجد؛ ولهذا فإن هؤلاء يرخص لهم في ترك الجمعة والجماعات، ويعذرون بتركها حتى لا يتأذى الناس من وجودهم. ومن ثم فإن الأمراض التي تنتقل بالعدوى عن طريق مخالطة المريض للصحيح في دور العبادة ترخص في ترك الجمع والجماعات أيضا؛ حتى لا يرتب على اجتماع الناس في هذه الدور انتقال الأمراض المعدية من المرضى بها إلى الأصحاء، إذا  كانت هذه الأمراض لا يمكن التوقي منها، ولا يوجد علاج ناجع لها، وكانت تنتقل بين الناس عن طريق استنشاق الهواء في الموضع الذي يوجد فيه المرضى، أو عن طريق الاقتراب من المرضى بها.

ولهذا فإن المرض الذي يعد وباء عاما مما يرخص في ترك الجمع والجماعات، من حق ولي الأمر باعتباره يقوم على حفظ مصالح الرعية أن يمنع  من ازدحام الناس بالأماكن التي ليس فيها تهوية مناسبة، والتي يخشى أن ينتقل المرض  فيها من المريض إلى الصحيح، إذا كان من شأن هذا المرض أن ينتقل بينهما بالمخالطة الاعتيادية، سواء أكان هذا  في دور العبادة، أو في المصالح الحكومية، أو في وسائل النقل، أو نحو ذلك من أماكن يتحقق فيها هذا الاجتماع.

أما بالنسبة لدخول الأماكن الموبوءة والخروج منها:

إذا كان الوباء موجودا في موضع معين لا يوجد في غيره ورد النهي عنه في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا فراراً منه”، متفق عليه. ولهذا  طبق عمر بن الخطاب –رضي الله تعالى عنه- هذا الحديث  حينما علم بوجود هذا  الوباء بإحدى بلاد الشام فأنكر عليه أحد الصحابة فراره من الطاعون وامتناعه من دخول هذا البلد فقال له يا عمر أفراراً من قدر الله؟ فقال: نفر من قدر الله إلى قدر إلى الله”.

ولكن الأمر يختلف بالنسبة لفيروس أنفلونزا الخنازير فليس هناك بلد في العالم إلا وأصيب بعض قاطنيه بهذا المرض، ولهذا فلا يتصور أن يرد المنع من دخول بلد ما به هذا المرض، أو فرار أحد منه بعد أن أصيب أهله بهذا  المرض، فجميع دول العالم قد أصاب بعض سكانها أنفلونزا الخنازير، ولكن بدرجات متفاوتة، خاصة وأن بعض هذه البلاد يدخل الناس فيها ويخرجون دون أن ينتبه أحد إلى إصابته بهذا الفيروس، لا سيما إذا أخذ في الاعتبار أن أعراض المرض لا تظهر على بعض الناس في أول الإصابة به، بل إن بعض البلاد لا تستطيع الكشف عن المصابين به في مطارات دولها ومرافئها؛ لعدم وجود وسائل الكشف عن المرض بالنسبة للقادمين إليها، وخاصة دول العالم الثالث التي قد يعوزها الأجهزة الكاشفة عن هذا الفيروس في حق القادمين إليها.

ولهذا فلا يمكن والحال هذه منع مواطني الدول الموبؤة بالمرض من مغادرتها، كما لا يتصور منع القادمين من الدول الموبؤة لدخول بلد معين، خاصة إذا كانوا من رعايا الدول القادمين إليها، وهذا أمر وارد، فمن حق المواطن في دولة معينة إذا قدم من أرض موبوءة أن يدخل المجال الإقليمي في دولته التي ينتسب إليها فهذا حقه الدستوري حتى ولو  كان مريضا بأخطر أنواع الأمراض، فلا تستطيع سلطات دولته أن تمنعه من الدخول، ولهذا  فلا يمكن إعمال حديث الطاعون في مثل المصابين بفيروس أنفلونزا الخنازير، إنما على الدول قاطبة أن تتعاون مؤسساتها الطبية للكشف المبكر عن هذا المرض، وتكثيف البحوث لإنتاج المصل الواقي من الإصابة به على غرار الأمصال التي  تعطى للأنفلونزا التي يصاب الناس بها غير أنفلونزا الطيور وأنفلونزا الخنازير.

ويقول الأستاذ الدكتور سعد هلال –أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر-:

بالنسبة للتخلف عن الجمعة فإن فريضة الجمعة فرض عين على كل مسلم مكلف  – أي بالغ عاقل- مقيم، وليس مسافرا، وليس هناك عذر يمنعه من حضور الجمعة من مرض ونحوه، وفي غير ذلك فلا يجوز التخلف عن صلاة  الجمعة لقوله تعالى:  ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ”.

ثم نقول إن إعلان منظمة الصحة العالمية يستوجب علينا أخذ الحيطة وأسباب السلامة، وليس ترك الجمعة والجماعات، إلا إذا صار هذا الوباء محدقا، أما قبل الوصول إلى هذه المرحلة فلا يجوز التخلف عن صلاة الجمعة والجماعات، وعلى الملتزمين بالجمعة والجماعات أخذ الحيطة كترك المصافحة أو يمتنعون تماما عن التقبيل في الوجه، ويمتنعون عن أسباب تناقل العدوى، بحيث من يعلمون أن فيه بعض الأعراض فعليهم أن ينصحوه بالتوجه إلى أقرب مصحة أو أن يعرض نفسه على أقرب طبيب، ولا يصير بحال إلى قطيعة الجمعة والجماعات، وتبقى فكرة قطيعة الجمعة والجماعات محل ورود في حال الخطر المحدق الذي يصير فيه الوباء حقيقة بين الناس، وبفضل الله لم يصل العالم  إلى هذه المرحلة.

أما تدخل الدولة لمنع التجمعات البشرية في دور العبادة وغيرها فيصعب على الدولة أن تتدخل لمنع التجمعات العامة؛ لأنها مزدحمة بطبعها، ومن ثم فإن هذا  أمر شاق على الدولة، ولا أعتقد أن الوباء وصل إلى هذه المرحلة، وعندما يصل الوباء إلى هذه المرحلة فننادي وليسعك بيتك، لكن العالم لم يصل إلى هذه المرحلة الخطرة فعلى الدولة أن تركز من وسائل الوقاية.

والله أعلم.