السؤال:

امرأة وقعت في كبيرة الزنا وأنجبت بنتا، ثم تاب الزاني وتزوج من غيرها وأنجب ولدا فهل يجوز لهذا الرجل أن يتزوج أخته من الزنا، وجزاكم الله خير الجزاء.

الجواب:

بسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..

فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أن ماء الزنا يثبت به تحريم النكاح، فمن زنا بامرأة وأنجبت على أثر هذا الزنا، فما ولدته يحرم على الزاني وعلى أولاده، بل وناقشوا هل يقتل من يفعل ذلك.

 وخالف في ذلك المالكية والشافعية وقالوا إن ماء الزنا لا يثبت به التحريم. وقد بحث المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ فذكر حجج الفريقين ثم رجح رأي الجمهور, وفند حجة من خالف، وانتصر إلى أن ماء الزنا يثبت به التحريم. وعلى هذا فيحرم على الرجل أن يتزوج أخته من الزنا كما يحرم عليه أن يتزوج ابنته من الزنا. وهذا ما نرجحه في هذه المسألة.

وأنقل إليك خلاف الفقهاء في المسألة كما جاء في كتاب المغني لابن قدامة الحنبلي:

يحرم على الرجل نكاح بنته من الزنى , وأخته , وبنت ابنه , وبنت بنته , وبنت أخيه , وأخته من الزنى . وهو قول عامة الفقهاء.

وقال مالك , والشافعي في المشهور من مذهبه : يجوز ذلك كله ; لأنها أجنبية منه ولا تنسب إليه شرعا , ولا يجري التوارث بينهما , ولا تعتق عليه إذا ملكها , ولا تلزمه نفقتها , فلم تحرم عليه , كسائر الأجانب.

ولنا , قول الله تعالى : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ } . وهذه بنته , فإنها أنثى مخلوقة من مائه , وهذه حقيقة لا تختلف بالحل والحرمة , ويدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في امرأة هلال بن أمية : { انظروه . يعني ولدها فإن جاءت به على صفة كذا فهو لشريك ابن سحماء } . يعني الزاني . ولأنها مخلوقة من مائه وهذه حقيقة لا تختلف بالحل  والحرمة , فأشبهت المخلوقة من وطء بشبهة , ولأنها بضعة منه , فلم تحل له , كبنته من النكاح , وتخلف بعض الأحكام لا ينفي كونها بنتا , كما لو تخلف لرق أو اختلاف دين.

إذا ثبت هذا , فلا فرق بين علمه بكونها منه , مثل أن يطأ امرأة في طهر لم يصبها فيه غيره , ثم يحفظها حتى تضع , أو مثل أن يشترك جماعة في وطء امرأة , فتأتي بولد لا يعلم هل هو منه أو من غيره ؟ فإنها تحرم على جميعهم لوجهين ; أحدهما , أنها بنت موطوءتهم . والثاني , أننا نعلم أنها بنت بعضهم , فتحرم على الجميع , كما لو زوج الوليان , ولم يعلم السابق منهما , وتحرم على أولادهم ; لأنها أخت بعضهم غير معلوم , فإن ألحقتها القافة بأحدهم , حلت لأولاد الباقين , ولم تحل لأحد ممن وطئ أمها ; لأنها في معنى ربيبته . أهـ

وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن بنت الزنا هل تزوج بأبيها؟

فأجاب بقوله:

 الحمد لله مذهب الجمهور من العلماء أنه لا يجوز التزويج بها, وهو الصواب المقطوع به حتى تنازع الجمهور هل يقتل من فعل ذلك؟ على قولين والمنقول عن أحمد أنه يقتل من فعل ذلك، فقد يقال هذا إذا لم يكن متأولا، وأما المتأول فلا يقتل، وإن كان مخطئا.

 وقد يقال هذا مطلقا كما قاله الجمهور: إنه يجلد من شرب النبيذ المختلف فيه متأولا, وإن كان مع ذلك لا يفسق عند الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين وفسقه. مالك وأحمد في الرواية الأخرى، والصحيح أن المتأول المعذور لا يفسق بل، ولا يأثم وأحمد لم يبلغه أن في هذه المسألة خلافا، فإن الخلاف فيها إنما ظهر في زمنه لم يظهر في زمن السلف, فلهذا لم يعرفه،.

والذين سوغوا نكاح البنت من الزنا حجتهم في ذلك أن قالوا:

ليست هذه بنتا في الشرع, بدليل أنهما لا يتوارثان، ولا يجب نفقتها, ولا يلي نكاحها، ولا تعتق عليه بالملك، ونحو ذلك من أحكام النسب، وإذا لم تكن بنتا في الشرع لم تدخل في آية التحريم، فتبقى داخلة في قوله: وأحل لكم ما وراء ذلكم.

 وأما حجة الجمهور فهو أن يقال قول الله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ ..الآية هو متناول لكل من شمله هذا اللفظ سواء كان حقيقة أو مجازا, وسواء ثبت في حقه التوارث وغيره من الأحكام أم لم يثبت إلا التحريم خاصة ليس العموم في آية التحريم كالعموم في آية الفرائض ونحوها كقوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ.

 وبيان ذلك من ثلاثة أوجه:

 أحدها أن آية التحريم تتناول البنت وبنت الابن وبنت البنت, كما يتناول لفظ العمة عمة الأب والأم والجد, وكذلك بنت الأخت وبنت ابن الأخت وبنت بنت الأخت, ومثل هذا العموم لا يثبت لا في آية الفرائض ولا نحوها من الآيات والنصوص التي علق فيها الأحكام بالأنساب.

الثاني‏:‏ إن تحريم النكاح يثبت بمجرد الرضاعة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة‏)‏، وفي لفظ‏:‏ ‏(‏ما يحرم من النسب‏)‏ وهذا حديث متفق على صحته، وعمل الأئمة به‏,‏ فقد حرم اللّه على المرأة أن تتزوج بطفل غذته من لبنها، أو أن تنكح أولاده، وحرم على أمهاتها وعماتها وخالتها، بل حرم على الطفلة المرتضعة من امرأة أن تتزوج بالفحل صاحب اللبن، وهو الذي وطئ المرأة حتى در اللبن بوطئه‏.‏ فإذا كان يحرم على الرجل أن ينكح بنته من الرضاع، ولا يثبت في حقها شيء من أحكام النسب ـ سوي التحريم وما يتبعها من الحرمة ـ فكيف يباح له نكاح بنت خلقت من مائة‏؟‏ ‏!‏ وأين المخلوقة من مائة من المتغذية بلبن در بوطئه‏؟‏ ‏!‏

فهذا يبين التحريم من جهة عموم الخطاب، ومن جهة التنبيه والفحوي، وقياس الأولى‏.‏
الثالث‏:‏ أن اللّه تعالى قال‏:‏ ‏‏وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ ‏ ‏[‏النساء‏:‏ 23‏]‏، قال العلماء‏:‏ احتراز عن ابنه الذي تبناه، كما قال‏:‏ ‏{‏لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 37‏]‏، ومعلوم أنهم في الجاهلية كانوا يستلحقون ولد الزنا أعظم مما يستلحقون ولد المتبني، فإذا كان اللّه ـ تعالى ـ قيد ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏مِنْ أَصْلاَبِكُمْ‏}‏، علم أن لفظ ‏[‏البنات‏]‏ ونحوها، يشمل كل من كان في لغتهم داخلا في الاسم‏.‏

وأما قول القائل‏:‏ إنه لا يثبت في حقها الميراث، ونحوه‏.‏ فجوابه أن النسب تتبعض أحكامه، فقد ثبت بعض أحكام النسب دون بعض، كما  وافق أكثر المنازعين في ولد الملاعنة على أنه يحرم على الملاعن ولا يرثه‏.‏

واختلف العلماء في استلحاق ولد الزنا إذا لم يكن فراشا، على قولين‏.‏ كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ألحق ابن وليدة زمعة بن الأسود بن زمعة ابن الأسود، وكان قد أحبلها عتبة بن أبي وقاص، فاختصم فيه سعد وعبد بن زمعة، فقال سعد‏:‏ ابن أخي، عهد إلى أن ابن وليدة زمعة هذا ابني‏.‏ فقال عبد‏:‏ أخي وابن وليدة أبي، ولد على فراش أبي‏.‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏هو لك يا عبد بن زمعة‏.‏ الولد للفراش، وللعاهر الحجر، احتجبي منه ياسودة‏)‏؛ لما رأي من شبهه البين بعتبة، فجعله أخاها في الميراث دون الحرمة‏.‏

والله أعلم.