السؤال:

من تداعيات الأزمة المالية أن خسر الزوج أمواله في البورصة وأصبح فقيرا معدما لا يستطيع الإنفاق على زوجته التي هي من أسرة موسرة فهل لهذه الزوجة أن تطلب التفريق من زوجها لكي تعود لبيت أبيها لكي تعيش في مستواها الاجتماعي أم ماذا؟ وجزاكم الله خيرا.

الجواب:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فإن الله أوجب على الزوج أن ينفق على زوجته، وهذه النفقة تشمل ما تحتاجه الزوجة من مأكل ومشرب ومسكن وملبس ودواء، فللزوجة أن تأخذ قدر كفايتها من زوجها، وقد جاء عَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: سَأَلَهُ رَجُلٌ: مَا حَقُّ الْمَرْأَةِ عَلَى الزَّوْجِ؟  قَالَ: تُطْعِمُهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ، وَلَا تَضْرِبْ الْوَجْهَ، وَلَا تُقَبِّحْ، وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ” رواه أحمد أبو داود وابن ماجه، وحسنه الشيخ الألباني.

وليس من مكارم الأخلاق التخلي عن الزوج في حال إعساره إن كانت الزوجة غنية موسرة قال تعالى: {وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ}

فكم من ليلة باتت فيها وهي راضية عن زوجها،  وعن حسن رعايته لها، وإن أتت على الزوج أيام عصيبة فإن من شيم الزوجة الوفية أن تقف بجوار زوجها، وألا تتغير عليه، وأن تبتعد من كفران العشير وكفران الإحسان الذي حذَّر منه النبي صلى الله عليه وسلم وبينه بقوله: ” لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ”. رواه البخاري في صحيحه.

وإن هي ساعدت الزوج بمالها فإن لها من الله عز وجل الثواب على هذا الإحسان، وقد قال تعالى “هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ”

وإن كان الزوج قد خسر ماله فله أن يستدين لكي ينفق على زوجته النفقة الضرورية، فإن لم يجد فللمرأة أن تستدين على زوجها، ورأي الحنفية في المسألة يذهب إلى عدم التفريق بسبب إعسار الزوج أبدا، ويفرض لها القاضي حينئذ نفقة، ثم يأمرها بالاستدانة على زوجها، فإن لم تجد فإن نفقتها حينئذ تكون واجبة على أقاربها إن لم تكن متزوجة فإن كان والدها حيا فإن نفقة ابنته تلزمه، وللحنابلة والشافعية أن للمرأة أن تستدين على زوجها أيضا.

جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية:

قال الحنفية : إذا طلبت المرأة من القاضي أن يفرض لها النفقة، ففرض وهو معسر، فإن القاضي يأمرها بالاستدانة، ثم ترجع على الزوج إذا أيسر، ولا يحبسه في النفقة إذا علم أنه معسر.. ومذهب الشافعية أن الممتنع من الإنفاق إما أن يكون موسرا أو معسرا.

فإن كان موسرا فعندهم قولان :

 أصحهما : أنه لا يفسخ النكاح حاضرا كان الزوج أو غائبا، لانتفاء الإعسار الموجب للفسخ، وهي متمكنة من تحصيل حقها بالرفع إلى الحاكم.

 والثاني : أن لها الفسخ لتضررها بالمنع.

وإن كان معسرا، فإن صبرت، وأنفقت من مالها أو القرض صارت دينا عليه، وإلا فلها الفسخ في الأظهر، كما تفسخ بالجب والعنة، بل هذا أولى، لأن الصبر على عدم الاستمتاع أسهل من الصبر على عدم النفقة، والثاني : لا فسخ لها لأن المعسر منظر، لقوله تعالى : { وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ}  ولا فسخ حتى يثبت عند قاض إعساره بالإقرار أو البينة.. ومذهب الحنابلة كمذهب الشافعية في أن زوجة المعسر مخيرة بين الصبر عليه وبين فراقه. روي نحو ذلك عن عمر وعلي وأبي هريرة، وبه قال سعيد بن المسيب والحسن وعمر بن عبد العزيز وربيعة وحماد وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين.

وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية أيضا:

اتفق الفقهاء على أن نفقة الزوجة واجبة، سواء أكان الزوج موسرا أم معسرا، فإن كان الزوج حاضرا، وله مال، أنفق من ماله جبرا عنه، وإن كان معسرا فإن أئمة الحنفية يرون أن القاضي يفرض لها النفقة، ثم يأمرها بالاستدانة عليه، فإن لم تجد من تستدين منه أوجب القاضي نفقتها على من تجب عليه من أقاربها لو لم تكن متزوجة، أما إن كان غائبا وليس له مال حاضر، فإنه لا تفرض لها نفقة عليه، خلافا لزفر، وقوله هو المفتى به عند الحنفية.

وذهب الحنابلة إلى أن لها الاستدانة، لها ولأولادها ولو بغير إذن، وترجع عليه بما استدانت. ومذهب المالكية أن نفقة الزوجة تسقط بالإعسار إذا ثبت، أما إذا لم يثبت إعساره فلها أن تستدين عليه.

وذهب الشافعية إلى أنه إذا كان له مال حاضر ينفق عليها منه جبرا عنه. وإذا كان لا مال له وهو قادر على الكسب، أجبر على التكسب، ويستدين للنفقة الحاضرة، أما إن كان ماله غائبا فإنه يجبر على الاستدانة، فإن لم يستدن كان لها طلب الفسخ. أهـ

أما إذا لم ترض المرأة إلا أن تفصم عرى الزوجية وتعود لبيت أبيها فلها في هذه الحالة أن ترفع أمرها إلى القاضي الذي يفرق بينها وبين زوجها والفرقة تكون طلاقا عند المالكية، وإن أيسر الزوج في عدتها فهو أحق بها، وتكون الفرقة فسخا عن الشافعية والحنابلة، وقد تقدم رأي الحنفية في المسألة.

جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية:

أجاز الجمهور التفريق بين الزوجين للإعسار أو العجز عن النفقة، والفرقة طلاق عند المالكية، فسخ عند الشافعية والحنابلة ولا تجوز إلا بحكم القاضي، وجوازها لدفع الضرر عن الزوجة.

ولم يجز الحنفية التفريق بسبب الإعسار، لأن الله تعالى أوجب إنظار المعسر بالدين في قوله تعالى { وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ}. أهـ

ومستند رأي الجمهور كما ذكره الشيخ السيد السابق ـ رحمه الله في كتابه فقه السنة:

1- أن الزوج مكلف بأن يمسك زوجته بالمعروف أو يسرحها ويطلقها

بإحسان، لقول الله سبحانه: ”  فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ”.

ولا شك أن عدم النفقة ينافي الإمساك بمعروف.

2 – أن الله تعالى يقول: ” وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا “.

والرسول: يقول: ” لا ضرر، ولا ضرار “.

وأي إضرار ينزل بالمرأة أكثر من ترك الإنفاق عليها.

وإن على القاضي أن يزيل هذا الضرر.

وإليك أدلة الحنفية التي ذكرها  الشيخ السيد السابق ـ رحمه الله في كتابه فقه السنة:

1- أن الله سبحانه قال: ” لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا “.

وقد سئل الإمام الزهري عن رجل عاجز عن نفقة زوجته: أيفرق بينهما؟ قال: تستأني به، ولا يفرق بينهما، وتلا الآية السابقة.

2 – أن الصحابة كان منهم الموسر والمعسر، ولم يعرف عن أحد منهم أن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين رجل وامرأته، بسبب عدم النفقة لفقره وإعساره.

3 – وقد سأل نساء النبي صلى الله عليه وسلم النبي ما ليس عنده، فاعتزلهن شهرا، وكان ذلك عقوبة لهن، وإذا كانت المطالبة بما لا يملك الزوج تستحق العقاب، فأولى أن يكون طلب التفريق عند الاعسار ظلما لا يلتفت إليه.

 4 – قالوا: وإذا كان الامتناع عن الانفاق مع القدرة عليه ظلما، فإن الوسيلة في رفع هذا الظلم هي بيع ماله للانفاق منه، أو حبسه حتى ينفق عليها، ولا يتعين التفريق لدفع هذا الظلم مادام هناك وسائل أخرى، وإذا كان كذلك فالقاضي لا يفرق بهذا السبب لان التفريق أبغض الحلال إلى الله من الزوج صاحب الحق، فكيف يلجأ القاضي إليه مع أنه غير متعين، وليس هو السبيل الوحيدة لرفع الظلم.

هذا إذا كان قادرا على الانفاق، فإن كان معسرا فإنه لم يقع منه ظلم لان الله لا يكلف نفسا إلا ما آتاها.[1]

وهذا التفريق ـ على رأي من أجاز للمرأة ذلك ـ لا يكون إلا بعد رفع الأمر للقضاء، جاء في المغني لابن قدامة المقدسي:

وكل موضع ثبت لها الفسخ لأجل النفقة، لم يجز إلا بحكم الحاكم; لأنه فسخ مختلف فيه، فافتقر إلى الحاكم، كالفسخ بالعنة، ولا يجوز له التفريق إلا أن تطلب المرأة ذلك; لأنه لحقها، فلم يجز من غير طلبها، كالفسخ للعنة. فإذا فرق الحاكم بينهما، فهو فسخ لا رجعة له فيه. وبهذا قال الشافعي وابن المنذر. وقال مالك : هو تطليقة، وهو أحق بها إن أيسر في عدتها; لأنه تفريق لامتناعه من الواجب عليه لها، فأشبه تفريقه بين المولى وامرأته إذا امتنع من الفيئة والطلاق. أهـ

وننبه إلى أن الزوج إذا كان لا يستطيع إلا أن ينفق على زوجته يوما بيوم فلا تفريق لها، جاء في المغني أيضا:

وإن لم يجد النفقة إلا يوما بيوم، فليس ذلك إعسارا يثبت به الفسخ; لأن ذلك هو الواجب عليه، وقد قدر عليه. وإن وجد في أول النهار ما يغديها، وفي آخره ما يعشيها، لم يكن لها الفسخ; لأنها تصل إلى كفايتها، وما يقوم به بدنها. أهـ

الخلاصة:

من مكارم الأخلاق أن تصبر المرأة على إعسار زوجها، وإن كانت موسرة فلها أن تحتسب أجر نفقتها عليه عند الله، ولها أن تستدين على زوجها حتى يجد الزوج يسارا ويسدد دينه، وإن أبت إلا الفراق فلترفع أمرها للقاضي في بلدها، والفرقة هنا إما طلاق على رأي المالكية أو فسخ عند الشافعية والحنابلة، أما الحنفية فلا يرون الفرقة بالإعسار، وجعلوا للزوجة أن تستدين على زوجها، فإن لم تجد عادت بنفقتها على أقاربها الذين كانوا ينفقون عليها قبل الزواج كالأب مثلا.

والله أعلم.

[1] ينظر كتاب فقه السنة للشيخ الفقيه السيد سابق.