السؤال:

عندما أراد الله -سبحانه وتعالى- أن يجعل في الأرض خليفة رفض كل من الملائكة والجبال حمل الرسالة فقبل الإنسان حملها، فحينما علمت الملائكة أن خليفة الأرض هو الإنسان قالوا بما معناه: أتجعل من يسفك الدماء فيها وينشر فيها الفساد؟ السؤال: هو كيف علمت الملائكة أن الإنسان سوف يفسد في الأرض، وهي لا تعلم ما الإنسان وما هي خليقته؟ ولكم جزيل الشكر.  

الجواب:

بسم الله، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد :

فإنه لم يرد في الكتاب والسنة والصحيحة ما يطلعنا على مصدر علم الملائكة بإفساد البشر في الأرض،  ولهذا اختلف السلف في ذلك اختلافا كثيرا ، وأقرب الأقوال أن يكون الله عز وجل أطلعهم على ذلك.

وهذا ما أفتى به الدكتور ناصر بن محمد الماجد- عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

وإليك نص جوابه :

السائل الكريم يشير إلى قوله تعالى: “وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك” [البقرة:30]، ومعنى هذه الآية الكريمة وقع فيه خلاف بين السلف، وتشعَّبت بأهل العلم المسالك في فهم الآية، ومن نظر فيها من المفسرين بحسب ظاهر الآية وسياقها -ولم يتأثر ببعض تلك الأقوال المتكلفة والآثار الواهية- كان قوله أقرب للصواب، وأبعد عن الشطط.

وظاهر الآية الكريمة يدل على أن الله -تعالى- أخبر ملائكته أنه جاعل في الأرض خليفة يخلف بعضهم بعضًا على هذه الأرض، وعندئذ قالت الملائكة -على سيبل الاستفهام والاسترشاد، طلبا لبيان الحكمة من خلق بشر وجعله خليفة، مع أنه سيقع منه الفساد وسفك الدماء-: “أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء”.

والآية الكريمة لم توضح كيف علم الملائكة بأن هذا المخلوق سيقع منه الفساد وسفك الدماء، ولم يرد في كتاب الله -تعالى- أو فيما صح عن النبي – صلى الله عليه وسلم – ما يوضِّح الوسيلة التي عرفوا بها ذلك، ولهذا اختلف السلف -رحمهم الله- في تعيين الكيفية التي عرفت الملائكة بها هذا.

وأقرب الأقوال وأقلها تكلفا أن يكون الله -تعالى- قد أطلعهم على هذا، فكما أخبرهم أنه سيجعل في الأرضخليفة، أخبرهم أنه سيقع من ذلك الخليفة فساد وسفك دماء، وهذا احتمال غير بعيد، ومما يقويه ما جاء في الأثر عن قتادة فيما أخرج الطبري وابن أبي حاتم ـ بسند حسن ـ في قوله تعالى: “أتجعل فيها من يفسد فيها” قال: كان الله أعلمهم أنه إذا كان في الأرض خلق أفسدوا فيها وسفكوا الدماء، فذلك حين قالوا: “أتجعل فيها من يفسد فيها”.وهذا القول مال إليه شيخ المفسرين ابن جرير رحمه الله.

وبكل حال فالملائكة ينزهون عن أن يظن أنهم تكلموا في أمر بمجرد التخمين والظن،ولهذا لما طلب منهم تعالى أن يخبروه بأسماء المخلوقات سبحوا الله وعظموه أن يقولوا قولاً لا علم لهم به، فقالوا : “سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا” [البقرة:31-32].

بقي أن أشير إلى ما ورد في السؤال، فمقدمته تشعر أن الله -تعالى-عرض على الجبال والملائكة أن يكونوا خلفاء في الأرض فأبوا ذلك، فإن كان هذا ما أراده السائل الكريم فهو خطأ ووهم، فلم يرد ما يدل على أن الله تعالى عرض خلافة الأرض على الملائكة والجبال، بل هو خطأ بيِّن، ينزه كلام الله عنه.

ولعل السائل اختلطت عليه مسألة الخلافة بعرض الأمانة التيورد ذكرها في موضع آخر من سورة الأحزاب، حيث قال تعالى: “إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا” [الأحزاب: 72]، والمراد بالأمانة هنا ـ كما ذكر ابن كثير وغيره ـ التكاليف، وقبول الأوامر والنواهي بشرطها، وهو إن قام بذلك أثيب، وإن تركها عوقب. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

والله أعلم.