السؤال:

عندما حدث الزلزال الأخير في المملكة العربية، وحذر العلماء من حدوث براكين في هذه المنطقة، خرج بعض الدعاة ليبشر بظهور المهدي وتحول أرض الجزيرة إلى مروج خضراء، وإلى اقتراب موعد نهاية اليهود، وبعضهم يحذر الناس من اقتراب نهاية الزمان وأنه لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه فما الصواب في هذه المسألة، وكيف نتعامل مع أحاديث الفتن ونهاية الزمان ؟؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه

كلما ألمت بالأمة كارثة، ودخلت في محنة خرج علينا أناس من بني جلدتنا ليصور لنا أن هذه المحن التي تعيشها الأمة قدرا محتوما، وأمرا مقدرا لا نملك فكاكا ولا خلاصا منه، وبالتالي لا حيلة لنا في دفعه، وعلينا أن ننتظر حتى يأتينا المخلص من عالم الغيب ليأخذ بأيدينا إلى بر الأمان!!

حدث هذا في كل الكوارث التي مرت بأمتنا كما حدث في الغارة الأمريكية على العراق وعلى أفغانستان، وكلما اشتد بطش اليهود بإخواننا في فلسطين، وكلما حدث زلازل أو براكين أو غير ذلك …

وفي كل مناسبة نستدعي أحاديث المهدي المنتظر، وآحاديث آخر الزمان ، والآحاديث التي تخبر أنه لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه، حتى تلقَوْا ربكم.

فإذا كانت الأمة الإسلامية متخلفة الآن، فإن التخلف لا يستمر، والضعف لا يدوم، وقد قضت سنة الله عز وجل أن يضعف القوي، ويقوى الضعيف، ويمرض الصحيح، ويشفى المريض، ويغتني الفقير، ويفتقر الغني،أما أحاديث آخر الزمان فللعلماء العدول فهم آخر لها، وهي على أية حال لا تأمرنا بالسكوت على الضعف والاستكانة والمذلة، بل تحثنا السنة كلها، وكتاب الله قبلها على القوة والنهوض بأنفسنا وأمتنا .

يقول فضيلة الشيخ العلامة الدكتور يوسف القرضاوي :

أحاديث (الفتن) وما يتعلَّق بما يُسمَّى (آخر الزمان) أو (أشراط الساعة) يَكثُر فيها سوء الفهم، ولِذا ينبغي التأمل الطويل في معانيها، حتى لا يتَّخذُها الناس وسيلة لقتل كل بِذرة للأمل، ووَأْد كل محاولة للإصلاح والتغيير.

والحديث المذكور نموذج لهذا النوع من الأحاديث. فقد روى البخاري بسنده إلى الزبير بن عدي، قال: أتينا أنس بن مالك فشكونا إليه ما نلقى من الحجَّاج، فقال: (اصبروا، فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه، حتى تلقَوْا ربكم) سمعته من نبيكم، صلى الله عليه وسلم.

يَتخذ بعض الناس من هذا الحديث تُكَأَةً للقعود عن العمل، ومحاولة الإصلاح والإنقاذ، مُدَّعيًا أن الحديث يدل على أن الأمور في تدهور دائم، وسقوط مستمر وهوى متتابع، من درْك إلى درك أسفل منه، فهي لا تنتقل من سيء إلا إلى أسوأ، ولا من أسوأ إلا إلى الأسوأ منه. حتى تقوم الساعة على شرار الناس ويلقى الناس ربهم.أ. هـ

ويقول فضيلة الشيخ العلامة محمد الغزالي ـ رحمه الله في كتابه الماتع قذائف الحق :

” كلما قرأت أبواب الفتن في كتب السنة شعرت بانزعاج وتشاؤم، وأحسست أن الذين أشرفوا على جمع هذه الأحاديث قد أساؤوا ـ من حيث لا يدرون ومن حيث لا يقصدون ـ إلى حاضر الإسلام ومستقبله، ‏لقد صوروا الدين وكأنه يقاتل في معركة انسحاب، يخسر فيها على امتداد الزمن أكثر مما يربح، ودونوا الأحاديث مقطوعة عن ملابساتها القريبة، فظهرت وكأنها تغري المسلمين بالاستسلام للشر والقعود عن الجهاد، واليأس من ترجيح كفة الخير؛ لأن الظلام المقبل قدر لا مهرب منه : وماذا يفعل المسلم المسكين وهو يقرأ حديث أنس بن مالك الذي رواه البخاري عن الزبير بن عدي، قال: شكونا إلى أنس بن مالك ما نلقى من الحجاج فقال: ” اصبروا فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم” سمعته من نبيكم ـ صلى الله عليه وسلم ـ وظاهر الحديث أن أمر المسلمين في إدبار وأن بناء الأمة كلها إلى انهيار على اختلاف الليل والنهار، وهذا مع أن الحديث يخالف أحاديث صحاحًا كثيرة تحمل مبشرات بظهور الإسلام واتساع دولته وانتشار دعوته، كما يخالف الأحداث التي وقعت في العصر الأموي نفسه… (يعني انتشار الإسلام في الصين وأوروبا).

… ولقد أتي بعد أنس بن مالك عصر الفقهاء والمحدثين الذين أحيوا الثقافة الإسلامية، وخدموا الإسلام أروع وأجل خدمة، فكيف يقال: إن الرسالة الإسلامية الخاتمية كانت تنحدر من سيء إلى أسوأ؟؟ هذا هراء، الواقع أن أنسًا رضي الله عنه كان يقصد بحديثه منع الخروج المسلح على الدولة بالطريقة التي شاعت في عهده ومن بعده، فمزقت شمل الأمة، وألحقت بأهل الحق خسائر جسيمة، ولم تنل المبطلين بأذى يذكر.
وأنس بن مالك أشرف دينًا من أن يمالئ الحجاج أو يقبل مظالمه، ولكنه أرحم بالأمة من أن يزج بأتقيائها وشجعانها في مغامرات فردية تأتي عليهم، ويبقى الحجاج بعدها راسخًا مكينًا وتصبيره الناس حتى يلقوا ربهم ـ أي حتى ينتهوا هم ـ لا يعني أن الظلم سوف يبقى إلى قيام الساعة، وأن الاستكانة الظالمة سنة ماضية إلى الأبد، إن هذا الظاهر باطل يقينًا، والقضية المحدودة التي أفتى فيها أنس لا يجوز أن تتحول إلى مبدأ قانوني يحكم الأجيال كلها؟؟ أ. هـ