السؤال:

هل يجوز للرجل أن يصلى وكتفيه عاريان؟ وجزاكم الله خيرا

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فقد اختلف العلماء في صلاة الرجل وهو عاري الكتفين، فمنهم من قال: تكره صلاته وهو عاري الكتفين، ومنهم من قال: لا تكره صلاته، وهذا مذهب الجمهور.

ومستند مذهب الجمهور ما ورد عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ : سَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ ، فَقَالَ : خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ ، فَجِئْتُ لَيْلَةً لِبَعْضِ أَمْرِي فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي وَعَلَيَّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ ، فَاشْتَمَلْتُ بِهِ ، وَصَلَّيْتُ إِلَى جَانِبِهِ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ : مَا السُّرَى يَا جَابِرُ؟ فَأَخْبَرْتُهُ بِحَاجَتِي ، فَلَمَّا فَرَغْتُ قَالَ : مَا هَذَا الِاشْتِمَالُ الَّذِي رَأَيْتُ ؟ قُلْتُ : كَانَ ثَوْبٌ ، يَعْنِي ضَاقَ . قَالَ : ( فَإِنْ كَانَ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ ). (متفق عليه)

فعلى مذهب الجمهور لا يجب ستر العاتقين في الصلاة ولكن يستحب ذلك تعظيما للصلاة، ومن لم يستر عاتقيه فصلاته صحيحة.

 وقد ورد النهي عن صلاة الرجل عاري الكتفين، وهذا النهي للكراهة لا للتحريم، ومستنده ما جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:{ لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ شَيْءٌ} متفق عليه.

وقد بوَّب الشوكاني في نيل الأوطار بابًا بعنوان: باب النهي عن تجريد المنكبين في الصلاة إلا إذا وجد ما يستر العورة وحدها.

وجاء في المغني لابن قدامة المقدسي:

حكي عن أبي جعفر أن الصلاة لا تجزئ من لم يخمر منكبيه. وقال أكثر الفقهاء: لا يجب ذلك، ولا يشترط لصحة الصلاة. وبه قال مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي ; لأنهما ليسا بعورة، فأشبها بقية البدن.

ولنا، ما روى أبو هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: { لا يصلي الرجل في الثوب الواحد، ليس على عاتقه منه شيء }. رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وغيرهم. وهذا نهي يقتضي التحريم، ويقدم على القياس. وروى أبو داود، عن بريدة، قال: { نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي في لحاف لا يتوشح به وأن يصلي في سراويل، ليس عليه رداء }. ويشترط ذلك لصحة الصلاة في ظاهر المذهب، لأنه منهي عن تركه في الصلاة، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه، ولأنها سترة واجبة في الصلاة، والإخلال بها يفسدها، كستر العورة. وذكر القاضي، أنه نقل عن أحمد، ما يدل على أنه ليس بشرط، وأخذه من رواية مثنى بن جامع، عن أحمد فيمن صلى وعليه سراويل، وثوبه على إحدى عاتقيه، والأخرى مكشوفة: يكره. قيل له: يؤمر أن يعيد ؟ فلم ير عليه إعادة. وهذا يحتمل أنه لم ير عليه الإعادة ; لستره بعض المنكبين، فاجتزئ بستر أحد العاتقين عن ستر الآخر، لامتثاله للفظ الخبر. ووجه اشتراط ذلك أنه منهي عن الصلاة مع كشف المنكبين، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه، ولأنها سترة واجبة في الصلاة فالإخلال بها يفسدها كستر العورة.

وجاء في المجموع شرح المهذب:

حكم المسألة كما ذكره المصنف وقوله صلى الله عليه وسلم: { لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء } فنهي كراهة تنزيه لا تحريم، فلو  صلى مكشوف العاتقين صحت صلاته مع الكراهة، هذا مذهبنا، ومذهب مالك وأبي حنيفة وجمهور السلف والخلف. وقال أحمد وطائفة قليلة: يجب وضع شيء على عاتقه لظاهر الحديث، فإن تركه ففي صحة صلاته عن أحمد روايتان، وخص أحمد ذلك بصلاة الفرض. دليلنا حديث جابر في قوله صلى الله عليه وسلم: ( فاتزر به ) هكذا احتج به الشافعي في الأم واحتج به الأصحاب وغيرهم.أهـ

وجاء في شرح النووي على صحيح مسلم:

قال العلماء : حكمته أنه إذا ائتزر به ولم يكن على عاتقه منه شيء لم يؤمن أن تنكشف عورته بخلاف ما إذا جعل بعضه على عاتقه ، ولأنه قد يحتاج إلى إمساكه بيده أو يديه فيشغل بذلك ، وتفوته سنة وضع اليد اليمنى على البدن وموضع اليسرى تحت صدره ، ورفعهما حيث شرع الرفع ، وغير ذلك ، لأن فيه ترك ستر أعلى البدن وموضع الزينة وقد قال الله تعالى : { خُذُوا زِينَتَكُمْ } ثم قال مالك وأبو حنيفة والشافعي رحمهم الله تعالى والجمهور : هذا النهي للتنزيه لا للتحريم ، فلو صلى في ثوب واحد ساتر لعورته ليس على عاتقه منه شيء صحت صلاته مع الكراهة ، سواء قدر على شيء يجعله على عاتقه أم لا . وقال أحمد وبعض السلف رحمهم الله : لا تصح صلاته إذا قدر على وضع شيء على عاتقه إلا بوضعه لظاهر الحديث . وعن أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى رواية أنه تصح صلاته ، ولكن يأثم بتركه ، وحجة الجمهور قوله صلى الله عليه وسلم في حديث جابر رضي الله عنه : ” فإن كان واسعا فالتحف به ، وإن كان ضيقا فأتزر به ” رواه البخاري ، ورواه مسلم في آخر الكتاب في حديثه الطويل . أهـ

وجاء في إحكام الأحكام لابن دقيق العيد:

ويحمل هذا النهي على الكراهة.أهـ

وجاء في الإنصاف للمرداوي الحنبلي:

فإن اقتصر على ستر العورة أجزأه، إذا كان على عاتقه شيء من اللباس ) الصحيح من المذهب: أن ستر المنكبين في الجماعة شرط في صحة صلاة الفرض، وعليه جماهير الأصحاب. وقطع به كثير منهم. قال القاضي عليه  أصحابنا. قال المصنف، والشارح، وصاحب الفروع، وغيرهم: هذا ظاهر المذهب وهو من المفردات. وعنه سترهما واجب لا شرط، وهو من المفردات أيضا. وعنه سنة وقدمه الناظم. قال الزركشي: وخرج القاضي، ومن وافقه: صحة الصلاة مع كشف المنكبين، وأبى ذلك الشيخان.

وأما في النفل: فقدم المصنف أنه لا تجزئه إذا لم يكن على عاتقه شيء من اللباس، فهو كالفرض، وهو إحدى الروايتين وجزم به الخرقي. قال في الإفادات: وعلى الرجل القادر ستر عورته ومنكبيه، وأطلق. وكذا قال في المذهب الأحمد. وقال القاضي: يجزئه ستر العورة في النفل، دون الفرض، وهو الرواية الأخرى نص عليها في رواية حنبل، وهو المذهب.أهـ

الخلاصة:

على هذا فمذهب الجمهور عدم الكراهة ،  وذهب الحنابلة ومن تبعهم إلى كراهة هذا على اختلاف بين وصف الكراهة بأنها كراهة تنزيهية أو كراهة تحريمية، وخروجا من الخلاف والتزاما بأخذ الزينة في الصلاة على المصلي أن يغطي كتفيه في الصلاة.

والله أعلم.