السؤال:

ما حكم الخروج في رحلات للنزهة صباح يوم الجمعة، أفيدونا؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..

فصلاة الجمعة من الفرائض العينية المعلوم فرضيتها بالضرورة، وقد ورد في فضل صلاة الجمعة والترهيب من تركها لغير عذر نصوص كثيرة، وقد اتفق أهل العلم على أنه لا يجوز السفر يوم الجمعة بعد دخول وقتها في حق المخاطب بها، أما السفر قبل وقت الجمعة فيجوز إذا كان السفر للمباحات كالسفر للتنزه أو للتجارة أو لغرض مشروع، لكن الأفضل والأولى أن يكون السفر بعد انقضاء صلاة الجمعة؛ لأنها من الشعائر المعظمة شرعاً.

يقول الدكتور حسام الدين عفانة أستاذ الفقه وأصوله بجامعة القدس:

صلاة الجمعة فريضة من الفرائض المعلوم فرضيتها بالضرورة، وبدلالة الكتاب والسنة، قال الله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } سورة الجمعة الآية 9.

وقد ورد في فضل صلاة الجمعة أحاديث كثيرة منها: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام ومن مس الحصا فقد لغا) رواه مسلم. وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه قـال: قـال رسول الله صلى الله عليـه وسلم:( لا يغتسل رجلٌ يوم الجمعة ويتطهر بما استطاع من طهر ويدهن من دهنه أو يمس من طيب بيته ثم يروح إلى المسجد ولا يفرق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له ثم ينصت للإمام إذا تكلم، إلا غفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة الأخرى ) رواه البخاري. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر) رواه مسلم. وعن أبي أيوب رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:( من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيبٍ إن كان عنده، ولبس من أحسن ثيابه، ثم خرج وعليه السكينة حتى يأتي المسجد فيركع إن بدا له ولم يؤذ أحداً، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يصلي كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة الأخرى ) رواه أحمد والطبراني ورجاله ثقات كما قال الهيثمي، وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب 1/432. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة فيه خلق الله آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها )رواه مسلم. وغير ذلك من الأحاديث.

وقد وردت أحاديث أخرى في الترهيب من ترك صلاة الجمعة لغير عذر منها: عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقومٍ يتخلفون عن الجمعة: لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم ) رواه مسلم. وعن أبي هريرة و ابن عمر رضي الله عنهم أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على أعواد منبره:( لينتهين أقوامٌ عن ودْعهم – أي تركهم – الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكوننَّ من الغافلين ) رواه مسلم. وعن أبي الجعد الضمري وكانت له صحبة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:( من ترك ثلاث جمعٍ تهاوناً بها طبع الله على قلبه)رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب 1/451. وجاء في رواية لابن خزيمة وابن حبان ( من ترك الجمعة ثلاثاً من غير عذر فهو منافق ) قال العلامة الألباني:حسن صحيح، المصدر السابق. وعن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:( من ترك الجمعة ثلاث مرات من غير ضرورة طبع الله على قلبه ) رواه أحمد بإسناد حسن والحاكم وقال صحيح الإسناد، وقال العلامة الألباني: صحيح لغيره، المصدر السابق. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( ألا هل عسى أحدكم أن يتخذ الصبة من الغنم على رأس ميل أو ميلين فيتعذر عليه الكلأ فيرتفع، ثم تجيء الجمعة فلا يجيء ولا يشهدها، وتجيء الجمعة فلا يشهدها، فيطبع على قلبه ) رواه ابن ماجة وابن خزيمة في صحيحه، وهو حديث حسن كما قال العلامة الألباني في صحيح الترغيب 1/452. والصبة:المجموعة من الغنم ما بين العشرين إلى الثلاثين وقيل غير ذلك من العدد. وغير ذلك من الأحاديث.

إذا تقرر هذا فقد اتفق أهل العلم على أنه لا يجوز السفر يوم الجمعة بعد دخول وقتها في حق المخاطب بها، [ فيحرم عند الجمهور إنشاء سفرٍ بعد الزوال – وهو أول وقت الجمعة – من المصر الذي هو فيه، إذا كان ممن تجب عليه الجمعة، وعلم أنه لن يدرك أداءها في مصر آخر، فإن فعل ذلك فهو آثمٌ على الراجح ما لم يتضرر بتخلفه عن رفقته. وهذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء الحنفية والمالكية والحنابلة حيث صرحوا بحرمة السفر بعد الزوال ] الموسوعة الفقهية الكويتية 9/211.

وأما السفر قبل دخول وقت الجمعة أي قبل الزوال، فقد أجازه جماعة من الفقهاء، قال الشوكاني:[وقد اختلف العلماء في جواز السفر يوم الجمعة من طلوع الفجر إلى الزوال على خمسة أقوال: الأول: الجواز، قال العراقي: وهو قول أكثر العلماء. فمن الصحابة عمر بن الخطاب والزبير بن العوام وأبو عبيدة بن الجراح وابن عمر.ومن التابعين الحسن وابن سيرين والزهري. ومن الأئمة أبو حنيفة ومالك في الرواية المشهورة عنه والأوزاعي وأحمد بن حنبل في الرواية المشهورة عنه وهو القول القديم للشافعي، وحكاه ابن قدامة عن أكثر أهل العلم ] نيل الأوطار 3/261.

ويدل للقول بالجواز: ما رواه عبد الرزاق في المصنف بإسناده أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى رجلاً عليه ثياب سفر بعد ما قضى الجمعة، فقال: ما شأنك؟ قال أردت سفراً فكرهت أن أخرج حتى أصلي، فقال عمر: (إن الجمعة لا تمنعك السفر ما لم يحضر وقتها) وسنده صحيح كما قال العلامة الألباني، وقال الطحاوي: لا يُعرف عن الصحابة خلافه. وروى ابن أبي شيبة في المصنف عن صالح بن كيسان أن أبا عبيدة رضي الله عنه خرج يوم الجمعة في بعض أسفاره ولم ينتظر الجمعة. وإسناده جيد كما قال العلامة الألباني.واحتجوا بما ورد في الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهم قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة رضي الله عنه في سريةٍ فوافق ذلك يوم جمعة، قال: فتقدم أصحابه وقال: أتخلف فأصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم الجمعة ثم ألحقهم، قال: فلما صلى رسول الله رآه، فقال: ما منعك أن تغدو مع أصحابك ؟ فقال: أردت أن أصلي معك الجمعة ثم ألحقهم، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما أدركت غدوتهم” رواه أحمد والترمذي، ثم قال هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وضعفه العلامة الألباني في ضعيف سنن الترمذي حديث رقم 81.

وقد استدل من منع السفر قبل الزوال يوم الجمعة: بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:( من سافر يوم الجمعة دعا عليه ملكاه أن لا يصحب في سفره و لا تُقضى له حاجة) وهذا الحديث مكذوب، كما قال العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة 1/254.

وقال ابن المنذر: [لا أعلم خبراً ثابتاً يمنع من السفر أول نهار الجمعة إلى أن تزول الشمس وينادي المنادي، فإذا نادى المنادي وجب السعي إلى الجمعة على من سمع النداء] الأوسط لابن المنذر 5/330.

وبناءً على ما سبق فإن السفر قبل الزوال يوم الجمعة يجوز إذا كان السفر للمباحات كالسفر للتنزه أو للتجارة أو لغرض مشروع.

قال الشيخ ابن قدامة المقدسي مرجحاً القول بجواز السفر قبل الزوال:[ ولأن الجمعة لم تجب عليه فلم يحرم السفر كالليل…والأولى الجواز مطلقاً لأن ذمته بريئة من الجمعة فلم يمنعه إمكان وجوبها عليه كما قبل يومها ] المغني2/269.

ولكن الأفضل والأولى أن يكون السفر بعد انقضاء صلاة الجمعة، كما قال تعالى {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }سورة الجمعة الآية 10. وروى ابن أبي شيبة في المصنف عن خيثمة أنه قال:(كانوا يستحبون إذا حضرت الجمعة أن لا يخرجوا حتى يجمعوا). وروى أيضاً عن سعيد بن المسيب قال:( السفر يوم الجمعة بعد الصلاة.).

وإنما قالوا ذلك لما فيه من فوات صلاة الجمعة وهي من الشعائر المعظمة شرعاً، ومن القواعد المقررة شرعاً وجوب تعظيم شعائر الله يقول الله تعالى : “ذلك وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ” سورة الحج الآية 32. ويقول تعالى: “ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّه” سورة الحج الآية 30.

قال الإمام القرطبي:[ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ الشعائر جمع شعيرة، وهو كل شيء لله تعالى فيه أمر أشعر به وأعلم… فشعائر الله أعلام دينه…] تفسير القرطبي 12/56.

وخلاصة الأمر أن الواجب على المسلم أن يحافظ على صلاة الجمعة،فهي من شعائر الله عز وجل، وأن لا يضيعها من أجل النزهات والرحلات، فإن خرج في رحلة في صباح الجمعة فليحرص على أداء صلاة الجمعة في أي مسجد قريب من موقع الرحلة.

والله أعلم.