السؤال:

تحدث العلماء من كافة التخصصات الفقهية والشرعية والعلمية حول أزمة مرض انفلونزا الخنازير وكيفية التخلص منها، واقترح بعضهم اقتراحات عملية كوضع الخنزير في حقل الألغام، أو وضعها في حفر عميقة ودفنها حية، فهل هذا يجوز في الشريعة الإسلامية.

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه

لا بد أن نفرق في هذه المسألة بين أمرين في غاية الأهمية:

الأمر الأول: هو الوقاية ، ومنع الضرر المترتب على انتشار العدوى من هذا الحيوان إلى الإنسان، ومن ثم إلى إنسان آخر، فيحدث الوباء لا قدر الله .

الأمر الثاني: هو الرحمة بهذا الحيوان، وعدم إيلامه أو إيذائه، حيث لا ذنب له ولاجريرة، لكنه حيوان مسبح بحمد الله، وقد خلقه الله ليبلونا أينا أحسن عملا، فينظر هل نقف عند حدود الله تعالى، أم نتعداها ونقع في الحرام فنأكل من هذا اللحم المحرم، أو نبيعه ونشتريه؟

أما الأمر الأول: فلا يجادل فيه أحد، فالإنسان كل الإنسان، سواء كان مسلما أو غير مسلم مفطور على دفع الضرر عنه بكل ما يستطيع من قوة.

وقد حثنا الإسلام على التداوي والأخذ بكل الأسباب التي تؤدي إلى الشفاء، روى الإمام مسلم عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: “لكلِّ داءٍ دواءٌ، فإذا أصاب الدواءُ الداءَ، برأ بإذن الله”.

ويؤكِّد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قانون الأسباب والمُسَبَّبات فيقول في صراحة: “إن الله لم يُنزل داءً إلا أنزل له دواء، عَلِمَه مَن عَلِمَه، وجَهِلَه مَن جهله، إلا السامَ وهو الموت”.

و روي عن عمر – رضي الله عنه وعن الصحابة- في قصة الطاعون، فإنهم لما قصدوا الشام وانتهوا إلى الجابية بلغهم الخبر أن به موتاً عظيماً ووباءً ذريعاً، فافترق الناس فرقتين، فقال بعضهم لا ندخل على الوباء فنلقي بأيدينا إلى التهلكة، وقالت طائفة أخرى: بل ندخل، ونتوكل على الله، ولا نهرب من قدر الله تعالى، ولا نفرّ من الموت كمن قال الله تعالى في حقهم: “أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ…” (البقرة: 243)، فرجعوا إلى عمر فسألوه عن رأيه، فقال: نرجع، ولا ندخل على الوباء، فقال له المخالفون لرأيه: أنفرّ من قدر الله تعالى؟ قال عمر: نعم، نفرُّ من قدر الله تعالى إلى قدر الله تعالى.. فلما أصبحوا جاء عبد الرحمن فسأله عمر عن ذلك، فقال: عندي فيه يا أمير المؤمنين شيء سمعته من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: “إذا سمعتم به -أي بالطاعون- بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه” (متفق عليه).

ولذا قال ابن حجر رحمه الله: ” الحق أن من وثق بالله، وأيقن أن قضاءه عليه ماض، لم يقدح في توكله تعاطي الأسباب اتباعا لسنته وسنة رسوله، فقد ظاهر ـ صلى الله عليه وسلم ـ بين درعين، ولبس على رأسه المغفر، وأقعد الرماة على فم الشعب، وخندق حول المدينة، وأذن في الهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة، وهاجر هو، وتعاطى أسباب الأكل والشرب ، وادخر لأهله قوت سنتهم، ولم ينتظر أن ينزل عليه من السماء، وهو كان أحق الخلق أن يحصل له ذلك. وقال للذي سأله: ” أعقل ناقتي أو أدعها ؟ ” قال ” اعقلها وتوكل ” فأشار إلى أن الاحتراز لا يدفع التوكل .انتهى كلام ابن حجر.

وقد قال ابن القيم في ذلك كلمة عظيمة لمن يعقلون شرع الله، قال:”التداوي لا ينافي التوكل،   وكما لا ينافيه دفع داء الجوع والعطش والحر والبرد بأضدادها ، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها قدرا وشرعا، وأن تعطيلها يقدح في نفس التوكل، كما يقدح في الأمر والحكمة ويضعفه، من حيث يظن معطلها أن تركها أقوى في التوكل، الذي حقيقته: اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يضره فيهما، ولابد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب، فلا يجعل العبد عجزه توكلا، ولا توكله عجزا ” .

وبناء على ماسبق فنحن مأمورون بالأخذ بالأسباب بعد مشاورة أهل العلم من الأطباء والعلماء المتخصصين، واتباع الطرق العلمية التي بها نستيطع دفع هذا الضرر، ولنعلم أولا وأخيرا أن النافع الضار هو الله، وما نفعله هو أخذ بالأسباب ، والنتائج على الله تعالى .

والأمر الثاني: هو الرفق والرحمة بهذا الحيوان المسبح بحمد الله تعالى، يقول الله تعالى : (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ) الأسراء : {44}

(وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَالْمَلآئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ )  سورة النحل: 49- 50

( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء) الحج : {18}.

ومن هذه الأدلة نفهم أن الخنزير مخلوق، مسبح لله، ولا ذنب له ولاجريرة أنه خلق خنزيرا لحكم كثيرة علمها من علمها وجهلها من جهلها، ولا يعني أنه نجس ويحرم علينا أكله، أو المتاجرة به، عن طريق البيع والشراء أن نعذبه، أو نقتله قتلا غير حسن.

فقد نهى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن المثلة ولو بالكلب العقور، وأخبرنا أن رجلا سقى كلبا فغفر الله له، وأن أمرأة حبست هرة فعذبها الله في النار.

إن الإسلام يحث أتباعه على مسالمة هذا الكون كله، والرحمة بمفرداته ومكوناته، من أرض وسماء ، وإنسان وحيوان، ونبات وطير، وجماد، بل إنه يحث على الشفقة والرحمة بغير المسلم.

وقد علمنا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الرحمة واللين سواء بسيرته العملية أو سنته القولية، فقد كان يخطب على خذع نخلة فلما تركه بعد أن صنع له المسلمون منبرا ، فإذا بالجذع يحن ويئن لفراقه ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فينزل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من على المنبر ويربط عليه حتى يهدأ ويستقر.

وقام لجنازة يهودي وقال أليست نفسا ؟!

وكان يسلم على الشجر والحجر، ويأمر بعدم قتل النساء والأطفال والشيوخ ، وحرق النخيل والزروع، وينهى عن قتل الحيوان أثناء القتال إلا لأكلة.

والخلاصة أنه يجوز التخلص من الخنزير بأي طريق من الطرق العلمية التي تضمن التخلص من هذا الوباء، وفي نفس الوقت لا تعذب هذا الحيوان.

والله أعلم.