السؤال:

هل الأمراض النفسية كالفصام يرفع التكليف عن صاحبه من صلاة وصيام وغير ذلك من الفروض التي فرضها الله؟ وجزاكم الله خيرا.

الجواب:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فالتكليف مناط بالعقل فإذا غاب العقل سقط التكليف، ومريض الفصام أو الزهايمر مثلا إذا فقد الانتفاع بعقله فإن حقوق الله الشرعية تسقط عنه كصلاة وصيام وحج، أما حقوق العباد فلا تسقط عنه فوليه يخرج الزكاة من ماله وإذا أفسد مال أحد فإن وليه يضمنه، وهذا خلاصة ما أفتى به فضيلة الشيخ محمد صالح المنجد ـ من علماء المملكة العربية السعودية ـ وهذا نص فتواه:

أولاً :

التكليف هو صلاحية الإنسان أن يتوجه إليه الأمر والنهي ، بحيث يعاقب إن خالف ذلك .

ولهذا التكليف صفات يسميها العلماء : أهلية الوجوب ، ومن أهم هذه الصفات : أن يكون الإنسان عاقلاً ، فالمجنون غير مكلف ، ودل على ذلك قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ : عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ ، وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَشِبَّ ، وَعَنْ الْمَعْتُوهِ حَتَّى يَعْقِلَ) رواه الترمذي (1423) وصححه الألباني في صحيح الترمذي .

وجاء في “الموسوعة الفقهية الكويتية”:

“أهلية الوجوب عبارة عن صلاحية الشخص لوجوب الحقوق المشروعة ، بحيث تثبت له حقوق ، وتجب عليه واجبات والتزامات … وبهذا يعرف أن الأهلية مناط التكليف” انتهى .

ثانياً :

الفصام من الأمراض العقلية ، ويسمى خطأً ” فصام الشخصية ” .

قال الدكتور ياسر بكار :

“لا صحة لما يرد عن مرض فصام العقل أن المريض يكون له شخصيتان في جسد واحد ، فهذا من ابتداع كتَّاب السينما ، والحقيقة : أن المريض يعاني من خلل دماغي يسبب انفصالاً بين العقل والعواطف والسلوك” .

وقال :

“الفصام هو مرض دماغي مزمن يصيب عدداً من وظائف العقل مثل التفكير والإدراك والمشاعر والسلوك” انتهى .

وقال الدكتور حسين عبد القادر – استشاري الأمراض النفسية – :

“وتؤكد دراسات علم النفس إن الفصام أو ” الشيزوفرنيا ” هي حالة تصيب 1% من الناس والمصاب بهذا الداء يطلق عليه ” مختل عقليّاً ” ، والفصام من الأمراض المزمنة التي يعاني منها المريض طيلة حياته” انتهى .

“وأما أعراض هذا المرض : فتظهر في  فقد التفكير والعاطفة والإدراك والإرادة والسلوك .

أما أعراض الإرادة : فإن مريض الفصام يفقد الكثير من قوة الإرادة ، وعدم المقدرة على اتخاذ أي قرارات ، والسلبية المطلقة في التصرفات ، ثم فقد الإحساس بالذات  .

وأما أعراض السلوك : فإن مريض الفصام يفقد اهتمامه بذاته ونظافته وصحته العامة ، ولا يهتم بالأحداث اليومية ، ويكون عرضة لسلوك غريب ، مثل : تكرار الحركات ، أو نوبات من الهياج والاندفاع والعدوانية ، كما أنه يبدأ بالانعزال عن الناس ، ويكف عن الذهاب إلى المساجد والأصدقاء ، ويفقد اهتمامه بما حوله ، ويبتعد عن الناس ، كما أنه يهمل الدراسة والعمل تماماً حتى يفصل ، ويجلس متقوقعاً داخل عالمه الوهمي” انتهى من كلام بعض الاختصاصيين .

وبالتأمل في حقيقة هذا المرض العقلي ، وأعراضه يتبين أن مريض الفصام قد تعتريه في غالب أوقاته – أو كلها – ما يجعله يعيش في عالم آخر ، وفي هذا الوقت لا يكون مكلَّفاً إلا أن تزول عنه تلك الحالة ، وهذا كلام أحد الاختصاصيين في هذه المسألة :

قال الدكتور سيد البرجيسي  – في بيان ما يعتري مريض الفصام من آثار لمرضه – :

“الضلالات : الضلالات عبارة عن اعتقاد خاطئ يؤمن به المريض إيماناً راسخاً يستحيل إقناعه منطقيّاً بعدم صحته ، ولا تدل الضلالات على وجود تدهور بالذكاء ، وليست له علاقة به ، وأهم الضلالات الموجودة في مرض الفصام :

أ‌.  ضلالات الاضطهاد : حيث يعتقد المريض أن الناس تتعقبه ، أو أن بعض الناس تكرهه ، وتريد التخلص منه ، سواء بوضع السم في الطعام وخلافه .

ب‌.  ضلالات العظمة : يؤمن المريض أنه أذكى أو أقوى البشر ، أو أنه رسول مرسل لهداية الناس ، أو أنه عالِم ، أو مخترع ، أو أوتي قوة خارقة ، أو يستطيع الكشف عن الظواهر الغيبية .

ج. ضلالات التأويل أو التلميح أو الإشارة : حيث يعتقد المريض أن كل حركة تصدر ممن حوله تكون للإشارة أو التلميح إلى تصرفاته ، وهذا يجعله إما في حالة من الاحتكاك المستمر مع المجتمع ، أو الانطواء والانعزال عن الناس.

د. ضلالات التأثير : يشعر المريض أنه تحت تأثير قوى داخلية أو خارجية ويصبح أسير هذه الأفكار التي تختلف من أشعة ليزر إلى ذبذبات صوتية أو لاسلكية وما شابه ذلك” انتهى .

والخلاصة :

أنه بالنظر في حقيقة التكليف الشرعي ، وحقيقة الأهلية ، وعوارضها ، وبالتأمل في طبيعة مريض الفصام وأعراضه وآثاره : نجد أنه مانع من موانع التكليف ، لا سيما في مراحله المتأخرة المزمنة ، أما في الحالة التي يدري فيها عن نفسه ، ويسيطر على أفعاله وتفكيره فإنه يكون مكلفاً بما أمره الله به أو نهاه عنه .

وهذا الذي قلناه هو فيما يتعلق بحقوق الله تعالى كالصلاة والصيام والحج ، أما فيما يتعلق بحقوق الآخرين فإنه يضمن ما أتلفه لهم من أموال ، وتجب عليه الزكاة في أمواله ، لأن هذه الواجبات لا يشترط لوجوبها التكليف .

والله أعلم