السؤال:

أثارت أزمة العدوى بمرض أنفلونزا الخنازير العديد من القضايا الفقهية من أهمها ذبح الخنازير ، وأخذ الأجرة عليها إن كان الذابح مسلما، وغير ذلك، فما وجهة نظر الشريعة الإسلامية في هذه المسائل ؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

من المتفق عليه بين أهل العلم أن لحم الخنزير حرام على المسلمين، ولا يجوز لمسلم أن يذبحه لمسلم، وأجاز بعض الفقهاء اشتراك المسلم في عملية ذبح الخنازير درءا للوباء المتوقع، كما أجازوا له أن يأخذ الأجرة مقابل ذلك، وجمهور الفقهاء المعاصرين على أنه لا يجوز تخزين لحم الخنزير حتى لو كان لغير المسلمين.

يقول الدكتور سعد هلال – أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر-:

أولا: ذبح الخنازير في ظل ظروف أزمة الخنازير وهي جائحة يمر بها العالم اليوم وتنذر بهلاك شديد تجيز للمسلمين الاختصاصين (الجزارين والبيطريين) الحق في إعانة غير المسلمين المقيمين معهم في ذبح تلك الخنازير؛ لأن ذبحها يعد إعداما لائقا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم “إن الله كتب الإحسان على كل شيء؛ فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة… الحديث” رواه مسلم.

ثانيا: إن هذا الذبح ليس يعني مشروعية أكل لحم الخنزير فقد نص القرآن صراحة بتحريم أكل لحم الخنزير ولا نلزم غيرنا بما ورد في شريعتنا بل نترك غيرنا وما يدين.

ثالثا: يرى ابن حزم الظاهري أن الاستفادة بجلد الخنازير أمر مشروع لقول النبي –صلى الله عليه وسلم-: “أيما إهاب دُبِغ فقد طهر” رواه الترمذي، ونص أن التحريم قاصر على لحم الخنزير، وأما الاستفادة بجلوده فهو طاهر وإن خالف رأي الجمهور.

رابعا: نحذر من التهاون في شريعة الله عز وجل وبخاصة فيما يتعلق بأمر البطون والفروج، فنؤكد على تحريم أكل لحم الخنزير كما نؤكد على أن جسده وروثه نجس، ويجب على من تلوث به أن يغسل ما أصاب من بدنه وثيابه ويتطهر من ذلك، والتطهر من الخنزير ليس كالتطهر من الكلب مثلا ففي الحديث “إحداهن بالتراب” جمهور الفقهاء على أن هذا خاص بالكلب لا يتعداه إلى سواه، وبعضهم ذهب إلى أن الحديث وإن كان قد ورد في شأن الكلب إلا أن نجاسة الخنزير أقبح وأشد فيسري على الخنزير ما يسري على الكلب.

وعلى هذا  الأساس  لا حرج على الجزارين والبيطريين المسلمين من الإشراف والقيام بعملية ذبح الخنازير لمساعدة غير المسلمين المسالمين لنا للحماية منه.

خامسا: إذا كان أصل العمل مشروعا فما يرد عليه من تابعات فإنه يكون مشروعا، مثل أخذ الأجرة ، فأخذ الأجرة هو نظير عمل مشروع وقد  انقطع المسلم أثناء الذبح لصالح غيره مما لا يجب عليه، فصح له أن يأخذ الأجر؛ لأنه يأخذ الأجر عما لا يجب عليه بذله. وكذلك ما يتعلق بتخزين وتعبئة هذه اللحوم لمن يستحل أكلها من غير المسلمين من باب الإعانة خاصة وأن الله تعالى يقول: “لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ”. انتهى.

ويقول الدكتور عبد الفتاح إدريس –أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر-:

اتفق الفقهاء على أن الخنازير لا تذبح وإنما تقتل، وذلك لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال “يوشك أن ينزل فيكم عيسى بن مريم عليه السلام حكما مقسطا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية… الحديث، ومعنى هذا أن عيسى إذا  نزل فإنه سيحكم بالشريعة الإسلامية، التي منها قتل الخنزير، وإذا كان الشارع قد أمر بقتل الخنزير فليس الذبح من قبيل القتل لأن الذبح هو تذكية ليتناول المذكى ولكن الخنزير يجب قتله والتخلص منه شرعا ولا يجوز باتفاق الفقهاء الانتفاع بشيء من أجزائه لا في الأكل ولا في أي من وجوه الانتفاع المشروع في حال الاختيار.

وإنه لمن المستغرب في دولة الأزهر، صرح الإسلام فيها ما زال قائما لا يرجع إليه في قضية من هذه القضايا الحياتية ويسند الأمر فيه لجماعة لا يتوجهون إلى القبلة إلا إذا ماتوا حيث يوجهون إلى القبلة رغم أنوفهم.

فالخنازير لا ينبغي لمسلم أن يربيها لأنها لا ينتفع  بها لا في الأكل ولا في البيع ولا في الإجارة، ولا يجوز له أن يقربها بأي حال من الأحوال لا بالتربية ولا بالذبح ومن ثم فإن قضية الخنازير في بلد الأزهر ليس من شأنها أن تخلق أزمة من ناحية ذبحها وذلك لأن واجب دولة الإسلام أن تتخلص من هذه الخنازير بالقتل، وقتل الخنازير سهل ميسور لا يحتاج إلى تدبير الثلاجات ولا مجازر آلية ولا جزارين مسلمين أو غير مسلمين، وتخزين لحومها عبث؛ لأنه لن ينتفع  أحد بها بل إنها قد تغري بعض ضعاف النفوس إلى أن يبيعها ضمن ما يبيعه من لحوم مصنعة تصنيعا كاملا أو غير مصنعة على غرار لحوم الحمير والكلاب التي أدين القائمون بها وصدرت عليهم الأحكام.

فما هي الفائدة التي تعود على المجتمع من تذكية الخنازير وقد نهى الشارع عن تذكيتها فضلا عن تخزين لحومها لأن هذا التخزين فائدته هو الانتفاع بلحومها، ولحومها محرمة التناول في حق المسلمين الذين يبين لهم الحكم الشرعي في هذه المسألة. كما أن هذه اللحوم لا يحل لمسلم ذي مشروع سياحي أو استثماري أن يبيعها لغير المسلمين وذلك لأنها ليست مالا باتفاق الفقهاء ولذا فلا يحل بيعها لأحد ولا أخذ عوض فيها، ومن ثم فلا يجوز لمسلم أن يشارك في عملية الذبح لأنه منهي عن ذلك كما لا يجوز له أن يساعد من يتولى ذبحها وإنما عليه أن يحصل على إجازة من عمله هذا إذا كان موظفا  في هذا المجزر حتى تنتهي عملية ذبح هذه الخنازير بمعرفة  غيره.انتهى.

ويقول الشيخ عبد الخالق الشريف –من علماء مصر-.

هذه الخنازير إذا كانت مملوكة لغير المسلمين، فذهب فقهاء الحنفية والمالكية إلى أن الخنزير مال متقوم بالنسبة لهم ويتم تعويضهم بسعرها الحقيقي، وعلى الدولة أن تبحث مع أهل العلم والاختصاص من العلماء كيفية التخلص من هذه الخنازير بصورة لا تضر بعموم الناس، فلا ضرر ولا ضرار.

وبالتالي فلسنا في حاجة إلى الذبح.. فعملية الذبح ليس فيها حماية للمجتمع من الأمراض التي تحملها الخنازير.. انتهى.

ويقول الدكتور يوسف الشبيلي- عضو مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا :

يجوز للجزار المسلم أن يشارك في ذبح الخنازير ويأخذ الأجر، وأما تخزينها فلا أرى أن له ذلك إلا إذا كان ذبحها يتوقف على إمكانية تخزينها فيجوز للمصلحة.

والله أعلم.