السؤال:

إذا كثر الفساد وانتشر في المجتمع وذلك بالإغراء على كفر النعم، وإنكار الخالق، أو التنكر لدينه وشريعته، والتهجم على حكمته والاستهانة بعزته وتحسين الخلاعة والرذيلة والفجور، وذهاب الغيرة والحياء، ومحاولة مقاومة كل ذلك يعتبر جهادا في سبيل الله، فهل هو واجب ؟ ما هي أنسب طريقة لذلك؟ أيهما أفضل و أعظم أجرا عند الله تعالى، محاولة مقاومة الفساد المنتشر في المجتمع - وإن لم يؤد ذلك إلى نتيجة - أم محاربة الكفار والأعداء في منطقة بعيدة كفلسطين أو االشيشان أو العراق ؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد …

فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة شرعية وضرورة حياتية، فلا يكفي أن يكون المسلم صالحا في نفسه، قال تعالى (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ)، فلا سعادة للمسلم في الدنيا ولا نجاة له في الآخر إلا إذا قام بهذه الفريضة، ولما كان لكل فريضة فقه وجب على المسلم أن يتعلم فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى يقوم بهذه الفريضة على وجهها، وإلا كان قيامه بها معول هدم لا أداة إصلاح وبناء.

أما المفاضلة بين فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبين فريضة الجهاد في فلسطين وغيرها من أرض الإسلام التي يحارب فيها أهله فهي مفاضلة خاطئة؛ ذلك أن دفع المعتدي فرض عين على ساكني الأراضي المحتلة، ولا يصبح واجباً على غيرهم إلا عند عجزهم عن دفعه، أما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو خلق من أخلاق كل مسلم يمارسه في علاقاته مع جميع الناس لإبعادهم عن معاصي الله عزّ وجل.

يقول سماحة المستشار فيصل مولوي -نائب رئيس المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث-:-

اعلم يا أخي أن عليك واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما التغيير باليد فهو واجب صاحب السلطة، فإن كنت في مجتمعك ممن يمتلك سلطة تخولك التغيير نعم يمكنك ذلك. وإن كنت لا تملك هذه السلطة فإن واجب تغيير المنكر يقع على الحكام، فإن لم يفعلوا فهم آثمون عند الله تبارك وتعالى، ولكن هذا لا يخول الأفراد في المجتمع أن يغيّروا بأيديهم حتى لا يكون ذلك افتئاناً على حق السلطان، وحتى لا تحدث فتنة في المجتمع تؤدي إلى ضياع الأمن الذي هو مطلوب شرعي.

لكن يمكنك في هذه الحالة أن تنكر المنكر بلسانك، وبما لا يؤدي إلى منكر أكبر من الحاصل. مثلاً شرب الخمر كبيرة من الكبائر، ولكن قتل النفس بغير حق كبيرة أعظم منها، لأن شرب الخمر معصية تصيب شاربها، أما القتل ففيه إزهاق للأنفس التي منحها الله تعالى حق الحياة، فلا يحق لأحد أن يزهقها إلا بدليل شرعي من واهبها حق الحياة. وعليه فلا يصح إنكار الفساد بإراقة دماء الناس؟!! ثم إذا كان الكلام قد يؤدي إلى فتنة تصيب المجتمع، فالأولى المحافظة على المجتمع، أما إذا اقتصر الأذى عليك، فإن كنت ممن يصبر ويحتسب فيستحب لك الإقدام لقوله صلى الله عليه وسلم: ” خير الجهاد كلمة حق في وجه سلطان جائر” أو ” سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى سلطان جائر فأمره ونهاه فقتله”. فانظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم ” فأمره ونهاه” ولم يقل ” فأعلن الحرب عليه”. فانتبه لذلك….

ثم لا يمكنني أن أفاضل بين تغيير المنكرات في مجتمع أعيش فيه، وبين مقاومة محتل لأرض من أراضي المسلمين، فالمسألتان مختلفتان والمفاضلة بينهما خطأ. ذلك أن دفع المعتدي فرض عين على ساكني الأراضي المحتلة، ولا يصبح واجباً على غيرهم إلا عند عجزهم عن دفعه، ثم إمكان المسلمين إمدادهم وعونهم، وهذا الشرط غير متوفر اليوم بالنسبة لعموم المسلمين. أما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو صفة لازمة، وخلق من أخلاق كل مسلم يمارسه في علاقاته مع جميع الناس لإبعادهم عن معاصي الله عزّ وجل.

وإذا أراد المسلم اليوم الذهاب للجهاد دفاعاً عن إخوانه المسلمين في بلد آخر، فيجب عليه أن يستأذن والديه، ولا يعفى من الإستئذان إلا إذا هجم العدو على بلده، حيث يصبح القتال فرض عين ولا يحتاج إلى اذن والديه أو موافقتهما.

والله أعلم.