السؤال:

لي عدة أسئلة تتعلق بفوائد البنوك أرجو أن تتكرموا بالإجابة عليها. هناك من يقول إن الربا المحرم هو الذي يكون في الاقتراض للحاجة الشخصية أما إذا كان في أغراض تجارية فهو لا يندرج تحت الربا المحرم؟ وأن الحرام في الربا هو الكثير الفاحش دون القليل المناسب؟ تقوم الحكومة بمنح المواطنين قروضا يكون عليها التخفيض "SUBSIDY"ثم تتقاضى الحكومة على هذه الديون مبلغاً زائداً من المستقرضين باسمِ الفائدةفما حكم أخذ مثل هذه القرض؟ أحيانا تنتزع الدولة ملكية عقارات من مواطنيها وتعطيهم ثمنها فيحدث نزاع في تقدير ثمن العقار، فتقوم المحاكم بتحديد قيمة عادلة، وترغم الحكومة على دفع الثمن الحقيقي للأراضي مع مبلغ زائد باسم الفائدة اعتباراً من اليوم الذي حصلت فيه الحكومة على هذه العقارات إلى يوم حكم المحكمة فما حكم أخذ هذه الفائدة؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..

الربا حرام في الإسلام أخذاً وإعطاءًا، سواء أكان ذلك في مصارف شخصية أو ديون تجارية، والرأي القائل بأن تحريم الربا لا يطلق على الديون التجارية رأي كاذب لا نصيب له من الصحة، فالتعامل الربوي للمقاصد التجارية هو أول ما يصدق عليه تحريم الربا، وتحريم الربا لا فرق فيه بين قليله وكثيره، وبين قليل مناسب، وكثير فاحش غير مناسب. ولما كان الربا حراما أخذا وإعطاءا فلا يجوز الاقتراض بالربا إلا إذا دعت إليه ضرورة أو حاجة معتبرة شرعا، ولا بد من الرجوع إلى أهل العلم الثقات ليقرروا إذا كانت هناك حاجة معتبرة تبيح الاقتراض بالربا أو لا؟ولما كانت فوائد البنوك حراما شرعا وجب على المسلم أن يتخلص منها بإنفاقها في وجوه الخير وعلى الفقراء والمساكين.

أما أخذ القروض المخفضة التي تمنحها الحكومة فإذا كانت الفائدة مساوية لمبلغ التخفيض أو أقل منه فلا حرج في أخذ هذا القرض.

هذا ما انتهى إليه قرار مجمع الفقه الإسلامي بالهند، في الندوة الفقهية الثانية التي عقدت بجامعة همدرد، (دلهي) في الفترة: 8-11 من جمادى الأولى 1410 هـ الموافق 8-11 ديسمبر 1989م، وجاء في القرار رقم: 5 (4/2) بشأن الفوائد البنكية والمعاملات الربوية، وبعد مناقشة الأبحاث التي قدمت بهذا الخصوص قرَّرت الندوة ما يلي:

أولاً: الربا (الفائدة) حرام ألبتة، سواء أكان ذلك أخذاً أم عطاءًا.

ثانياً: وبما أن إعطاء الربا ليس محرماً لذاته، وإنما لأنه ذريعة لأكل الربا، لأجل ذلك يجوز الاستقراض بالربا في الحالات الاستثنائية عند العذر، ولا بد من الرجوع إلى العلماء وأصحاب الإفتاء في معرفة ما يعتبر عذراً وما لا يعتبر، كما أن هذا الاسترشاد لازم في معرفة وتحديد طبيعة الحاجة هل هي من قبيل الحاجات التي تجب مراعاتها أم لا؟

ثالثاً: إن القروض الحكومية هي التي يكون عليها التخفيض “SUBSIDY” من قبل الحكومة في الهند، كما أن الحكومة تتقاضى على هذه الديون مبلغاً زائداً من المستقرضين باسمِ الفائدة، فإذا كان هذا المبلغ الزائد الذي يؤخذ باسم الفائدة مساوياً لمبلغ التخفيض (SUBSIDY) أو أقل منه فلا يعتبر المبلغ الزائد رباً في الشرع.

رابعاً: تدارست الندوة ما تقوم به الحكومة في الهند من نزع ملكية العقار للمصلحة العامة (أي يتم شراؤها إجباراً بالأوامر الحكومية) ودفع ثمنها إلى مالكيها وفقاً لقوانين وضوابط الحكومة، ثم إن أصحاب هذه العقارات يقومون بالاستئناف في المحاكم ضد المرسوم الحكومي، فتقوم المحاكم بتحديد قيمة عادلة، وترغم الحكومة على دفع الثمن الحقيقي للأراضي مع مبلغ زائد باسم الفائدة اعتباراً من اليوم الذي حصلت فيه الحكومة على هذه العقارات إلى يوم حكم المحكمة، وانتهت الندوة بعد دراسة هذا القانون وتطبيقاته إلى أن ذلك المبلغ الزائد لا يعتبر رباً، وإنما هو جزء من الثمن يجوز للمالكين أخذه وصرفه في مصالحهم.

خامساً: وبشأن قضية الديون التنموية الحاصلة من البنوك الحكومية وأداء الفائدة عليها، اقترحت الندوة قيام مجمع الفقه الإسلامي بالهند بتشكيل لجنة من العلماء وأصحاب الاختصاص لدراسة هذا الموضوع مع الأخذ بعين الاعتبار خلفية الهند الخاصة حتى يمكن اتخاذ القرارات في ضوء دراسة الجوانب المختلفة للقضية في ندوة قادمة.

سادساً: اتفقت كلمة المشاركين في الندوة على أن فائدة البنوك هي ربا، ولكن هل يسحب مبلغ الفائدة من البنوك أم لا؟ وإذا تم سحبه فما هي وجوه صرفه؟ فقررت الندوة أنه لا يترك في البنوك ما تعطيه هذه البنوك من المبالغ باسم الفائدة، بل يسحب وينفق في الجهات التالية:

1- ينفق على الفقراء والمساكين بدون نية الثواب، (اتفق عليها جميع المشاركين).

2- لا يجوز صرف هذا المبلغ في المساجد وشؤونها.

3- ذهب معظم المشاركين إلى أن مبلغ الفائدة يجوز صرفه في الأعمال الخيرية، بالإضافة إلى مصارف الصدقات الواجبة، بينما رأى البعض الآخر أن يصرف بكامله على الفقراء والمساكين لا غير.

سابعاً: وقد اتفق المشاركون بعد دراسة الجوانب والأبعاد المختلفة للربا على أن الربا حرام في الإسلام أخذاً وإعطاءًا، سواء أكان ذلك في مصارف شخصية أو ديون تجارية، والرأي القائل بأن تحريم الربا لا يطلق على الديون التجارية رأي كاذب لا نصيب له من الصحة، وكذلك لا يصح القول بأن الديون التجارية لم تكن توجد في زمن نزول القرآن، وبالتالي: لا يصدق عليها تحريم الربا، فإنه قد ثبت في التاريخ أن العرب في الجاهلية كانوا يتعاملون بمعاملات ربوية لتحقيق مقاصد تجارية، كما كان هذا التعامل الربوي شائعاً في الأمم التي كان العرب على صلة بها تجارياً، وعليه، فإن التعامل الربوي للمقاصد التجارية هو أول ما يصدق عليه تحريم الربا، ولو افترضنا -جدلاً- أنه لم يوجد التعامل الربوي للمقاصد التجارية في زمن نزول القرآن، فهناك أدلة شرعية مستقلة تحرم الربا ومبالغ إضافية في الديون الشخصية والتجارية كلتيهما، هذا ما دل عليه الكتاب والسنة والإجماع والقياس وعمل الأمة المتوارث، ولا عبرة فيه بمقاصد ودوافع الإقراض والاستقراض.

إن تحريم الربا لا فرق فيه بين قليله وكثيره، وبين قليل مناسب، وكثير فاحش غير مناسب، ولا مجال في الشريعة الإسلامية للرأي القائل بأن الربا إذا كانت نسبته قليلة مناسبة جاز، وإذا كانت كثيرةً غير مناسبة فلا يجوز؛ لأن الأدلة الشرعية لا تقرر أي فرق بين هاتين الصورتين.

ثامناً: ركزت اللجنة المكونة لصياغة القرارات على الأسئلة والاستفسارات المطروحة حول التجارة العالمية، وشعرت بحاجة إلى مزيد من التنقيح والإيضاح لهذا الموضوع الذي تنوعت وتعقدت أشكاله اليوم، ورأت ضرورة إعداد استفسارات مفصلة في ضوء أبحاث المتخصصين في علم الاقتصاد والعلماء والفقهاء ثم الحصول على آراء أهل العلم في ضوئها، وقد فوضت هذه المسؤولية إلى الدكتور فضل الرحمن الفريدي. انتهى.

والله أعلم.

وللمزيد يمكن مطالعة هذا الرابط: فوائد البنوك هي الربا المحرم (32) فتوى