السؤال:

مضى على وفاة والدي أكثر من عشر سنوات، وقد ترك أموالاً وعقارات وقطعة أرض، وما زالت تركته غير مقسَّمة، وبعض الورثة ينتفع بالعقارات، ويرفض تقسيم التركة مع إلحاحي على القسمة، فما الحكم في ذلك، أفيدونا؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد

فالذي قرره أهل العلم أنه بمجرد وفاة الميت فإن أمواله تنتقل ملكيتها لورثته، وتصير حقا شرعيا لهم، ويجب قبل تقسيم التركة أن يخرج منها نفقة تجهيز الميت، وقضاء الديون التي في ذمة الميت، ويدخل فيها مهر زوجته ونحو ذلك من حقوق الآدميين، والديون المتعلقة بحقوق الله عز وجل كالزكاة وحج الفريضة والكفارات، وأن تنفذ وصايا الميت فيما لا يزيد عن ثلث التركة، وأما أن يمنع بعض الورثة توزيع التركة مع انتفاعهم ببعضها، فهذا أمر محرم شرعاً، لأن هذا من التعدي على حقوق بقية الورثة، وحينئذ يكون انتفاع الوارث ببعض التركة كالعقار المذكور في السؤال من باب الغصب، وهو من الظلم المحرم.

هذا خلاصة ما جاء في فتوى الدكتور حسام عفانه – أستاذ الفقه وأصوله بجامعة القدس بفلسطين- وإليك نص فتواه:

ينبغي أن يعلم أن الواجب بعد وفاة الميت مباشرة هو تجهيزه للدفن بالسرعة الممكنة، وتكون تكلفة ذلك من مال الميت، ولا يصح تأخير دفنه، فالإسراع في دفن الميت أمرٌ مطلوبٌ شرعاً، وقد نصت السنة النبوية على ذلك، فقد ورد في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:( أسرعوا بالجنازة فإن تكُ صالحةً فخير تقدمونها إليه وإن يكُ سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم) رواه البخاري ومسلم .

والإسراع بالجنازة يشمل السرعة حال حملها والإسراع بها إلى الدفن.

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [قال القرطبي: مقصود الحديث: أن لا يتباطأ بالميت عن الدفن] فتح الباري 3/235 . ويؤيد المسارعة في الدفن ما رواه الطبراني عن ابن عمر رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا مات أحدكم فلا تحبسوه وأسرعوا به إلى قبره)، قال الحافظ ابن حجر:إسناده حسن، المصدر السابق. ويؤيده أيضاً ما رواه أبو داود بإسناده أن طلحة بن البراء مرض فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده فقال: (إني لا أُرَى طلحة إلا قد حدث فيه الموت فآذنوني به وعجلوا، فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله). ويؤيده أيضاً ما رواه الترمذي وأحمد عن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاث يا علي لا يؤخرن: الصلاة إذا آنت، والجنازة إذا حضرت، والأيم – هي المرأة التي لا زوج لها – إذا وجدت لها كفؤاً).

وذكر ابن الجوزي عن بعض السلف أنه قال: (كان يقال العجلة من الشيطان إلا في خمس، إطعام الطعام إذا حضر الضيف، وتجهيز الميت إذا مات، وتزويج البكر إذا أدركت، وقضاء الدين إذا وجب، والتوبة من الذنب إذا أذنب) أحكام النساء ص304.

فإذا تم َّ دفن الميت فهنالك عدة حقوق تتعلق بتركته وهي كما يلي:

قضاء الديون التي في ذمة الميت، ويدخل فيها مهر زوجته ونحو ذلك من حقوق الآدميين، والديون المتعلقة بحقوق الله عز وجل كالزكاة وحج الفريضة والكفارات.

وبعد ذلك تنفذ وصايا الميت فيما لا يزيد عن ثلث التركة، وينبغي أن يعلم أن قضاء الدين مقدم على تنفيذ وصايا الميت وإن كانت الوصية مقدمة على الدين في آية المواريث، يقول الله تعالى: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ)، وبعد ذلك يوزع الباقي على الورثة حسب التقسيم الشرعي لذلك.

ومن المعلوم عند أهل العلم أنه بمجرد وفاة الميت فإن ملكية أمواله تنتقل لورثته وتصير حقاً شرعياً لهم، والأصل أن تقسم التركة على الورثة بعد استيفاء الحقوق المتعلقة بالتركة كما ذكرت سابقاً، ويكون توزيع التركة على الورثة بعد وفاة الميت مباشرة وبعد حصر أمواله وحصر ورثته، وهذا أولى من تأخير التوزيع، حتى وإن تراضى الورثة على التأخير، لأنه قد يترتب على تأخير توزيع التركة مشكلات تقع بين الورثة، وأما أن يمنع بعض الورثة توزيع التركة مع انتفاعهم ببعضها، فهذا أمر محرم شرعاً، لأن هذا من التعدي على حقوق بقية الورثة، وحينئذ يكون انتفاع الوارث ببعض التركة كالعقار المذكور في السؤال من باب الغصب، وهو من الظلم المحرم.

قال الله تعالى: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ} -سورة غافر الآية 18-، وقال تعالى: {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ} -سورة الحج الآية 71-.

وجاء في الحديث القدسي فيما يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عن رب العزة والجلال:  (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا) رواه مسلم.

وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اتقوا الظلم فإن الظلم ظلماتٌ يوم القيامة، واتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم) رواه مسلم.

وجاء في خطبة الوداع قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا إن الله حرم عليكم دمائكم وأموالكم، كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا) رواه البخاري.

وحذر النبي صلى الله عليه وسلم أشد التحذير من غصب الأراضي وأخذها من أصحابها بغير حق فقد جاء في الحديث عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من ظلم قيد شبر من الأرض طوقـه من سبع أرضين) متفق عليه.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أخذ من الأرض شبراً بغير حقه طوقه من سبع أرضين) رواه أحمد بإسنادين أحدهما صحيح، ورواه مسلم إلا أنه قال:( لا يأخذ أحدٌ شبراً من الأرض بغير حقه إلا طوقه الله إلى سبع أرضين يوم القيامة)، وقوله :( طوقه من سبع أرضين) قيل: أراد طوق التكليف لا طوق التقليد وهو أن يطوق حملها يوم القيامة، وقيل: إنه أراد أنه يخسف به الأرض فتصير البقعة المغصوبة في عنقه كالطوق.

وجاء في الحديث عن سالم عن أبيه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من أخذ من الأرض شبراً بغير حقه خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين) رواه البخاري.

وعن يعلى بن مرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (أيما رجل ظلم شبراً من الأرض كلفه الله عز وجل أن يحفره حتى يبلغ به سبع أرضين ثم يطوقه يوم القيامة حتى يقضى بين الناس) رواه أحمد والطبراني وابن حبان، وفي رواية لأحمد والطبراني عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من أخذ أرضاً بغير حقها كلف أن يحمل ترابها إلى المحشر). وقال العلامة الألباني: صحيح.

وعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أعظم الغلول عند الله عز وجل ذراع من الأرض تجدون الرجلين جارين في الأرض أو في الدار فيقتطع أحدهما من حظ صاحبه ذراعاً إذا اقتطعه طوقه من سبع أرضين) رواه أحمد بإسناد حسن والطبراني في الكبير. وقال العلامة الألباني: حسن صحيح.

وعن وائل بن حجر رضي الله عنه قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من غصب أرضاً ظلماً لقي الله وهو عليه غضبان) رواه الطبراني من رواية يحيى بن عبد الحميد الحماني، وقال العلامة الألباني: صحيح. انظر صحيح الترغيب والترهيب 2/ 379 – 381 .

وإذا أخذ هذا الوارث- الذي يمنع قسمة التركة- مالاً من الميراث دون موافقة بقية الورثة، فإنه يكون داخلاً ضمن دائرة الكسب الحرام، والكسب الحرام نوع من أكل السحت.

قال الله تعالى: {وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ. سَمَّاعُونَ  لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ) -سورة المائدة الآية 42-.

وقال الله تعالى: (وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) –سورة المائدة  62 -.

وقوله تعالى: (لوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) -سورة المائدة الآية63-.

قال أهل التفسير في قوله تعالى: (أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ) أي  الحرام، وسمي المال الحرام سحتاً؛ لأنه يسحت الطاعات، أي يذهبها ويستأصلها. انظر تفسير القرطبي 6/183.

وقال جماعة من أهل التفسير:ويدخل في السحت كل ما لا يحل كسبه] فتح المالك 8/223. وعقوبة هذا الغاصب النار، فقد جاء في الحديث عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت وكل لحم نبت من سحت كانت النار أولى به) رواه أحمد والدارمي والبيهقي في شعب الإيمان.

وفي رواية أخرى: (كل جسدٍ نبت من سحتٍ فالنار أولى به) رواه أحمد والطبراني والحاكم وغيرهم وقال العلامة الألباني صحيح. انظر صحيح الجامع الصغير 2/831.

وعن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (… يا كعب بن عجرة إنه لا يربو لحم نبت من سحت إلا كانت النار أولى به) رواه أحمد والنسائي والترمذي وحسنه وصححه العلامة الألباني. صحيح سنن الترمذي 1/189.

وعن أبي بكر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يدخل الجنة جسد غُذِيَ بحرام) رواه أبو يعلى والبزار والطبراني في الأوسط ورجال أبي يعلى ثقات وفي بعضهم اختلاف قاله الهيثمي. مجمع الزوائد 10/293. وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب 2/320. وغير ذلك من النصوص.

وإذا أصر بعض الورثة على المنع من توزيع التركة فإن للورثة الآخرين رفع الأمر إلى القضاء لإجبار الممتنع عل القسمة.

قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [أما إذا طلب أحدهما – الشريكان – القسمة، فامتنع الآخر، لم يخل من حالين؛ أحدهما، يجبر الممتنع على القسمة، وذلك إذا اجتمع ثلاثة شروط‏:‏

أحدها‏:‏ أن يثبت عند الحاكم ملكهما ببينة؛ لأن في الإجبار على القسمة حكماً على الممتنع منهما، فلا يثبت إلا بما يثبت به الملك لخصمه، بخلاف حالة الرضا؛ فإنه لا يحكم على أحدهما، إنما يقسم بقولهما ورضاهما‏.‏

الشرط الثاني‏:‏ أن لا يكون فيها ضرر، فإن كان فيها ضرر، لم يجبر الممتنع؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:‏(‏لا ضرر، ولا ضرار‏)‏‏.‏ رواه ابن ماجه، ورواه مالك في ‏”‏ موطئه ‏”‏ مرسلاً، وفي لفظ‏:‏ ‏(‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أن لا ضرر ولا ضرار‏)‏‏.‏

الشرط الثالث‏:‏ أن يمكن تعديل السهام من غير شيء يجعل معها، فإن لم يمكن ذلك ، لم يجبر الممتنع؛ لأنها تصير بيعاً، والبيع لا يجبر عليه أحد المتبايعين،… فإذا اجتمعت الشروط الثلاثة، أجبر الممتنع منهما على القسمة؛ لأنها تتضمن إزالة ضرر الشركة عنهما، وحصول النفع لهما؛ لأن نصيب كل واحد منهما إذا تميز، كان له أن يتصرف فيه بحسب اختياره، ويتمكن من إحداث الغراس والبناء والزرع والسقاية والإجارة والعارية، ولا يمكنه ذلك مع الاشتراك، فوجب أن يجبر الآخر عليه؛ لقوله عليه السلام ‏:‏ ‏(‏لا ضرر ولا ضرار‏)‏‏.] المغني 10/102.

وخلاصة الأمر أنه إذا مات الميت فإنه يجهز ويدفن ثم تقضى ديونه وتنفذ وصاياه في حدود الثلث، وبعد ذلك توزع تركته، وينبغي التعجيل في توزيع التركة،ولا يحل لأحد من الورثة أن يمنع توزيعها، نظراً لتعلق حقوق الآخرين بها.

والله أعلم.