السؤال:

أسكن في ضاحية من ضواحي مدينة القدس وأحافظ على صلاة الجمعة في المسجد الأقصى المبارك إلا أن بعض الناس من سكان الأحياء المحيطة بالبلدة القديمة من القدس يتركون صلاة الجمعة في المسجد الأقصى ويذهبون إلى بعض مساجد ضواحي القدس فيصلون فيها بحجة أنهم يأخذون علماً من خطيب ذلك المسجد فما قولكم في ذلك؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..

لا ينبغي للمسلم الذي يستطيع الصلاة في المسجد الأقصى أن يعدل عنه إلى غيره من المساجد المحيطة به، فعلى أهل بيت المقدس وأكناف بيت المقدس أن يشدوا الرحال إلى المسجد الأقصى وأن يحرص كل من يستطيع منهم الوصول إلى المسجد الأقصى أن يصلي فيه دائماً الصلوات الخمس وصلاة الجمعة إن استطاع إلى ذلك سبيلاً،  أما ترك صلاة الجمعة في المسجد الأقصى لتحصيل العلم فهي حجة واهية لا تبرر التفريط في تحصيل الأجر والثواب الذي خص الله تعالى به هذا المكان المبارك.

هذا خلاصة ما جاء في فتوى فضيلة الدكتور حسام عفانه –أستاذ الفقه وأصوله بجامعة القدس بفلسطين- وإليك نص فتواه:

أذكر أولاً بعض ما ورد من فضائل للمسجد الأقصى المبارك فإن في ذلك ذكرى للمؤمنين قال تعالى:(سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقصى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ ءَايَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) سـورة الإسـراء الآية 1 .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ومسجد الأقصى) رواه البخاري ومسلم.

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: (وفي هذا الحديث فضيلة هذه المساجد ومزيتها على غيرها لكونها مساجد الأنبياء, ولأن الأول قبلة الناس وإليه حجهم , والثاني كان قبلة الأمم السالفة , والثالث أسس على التقوى ) فتح الباري 3/84.

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أن سليمان بن داود عليه السلام لما بنى بيت المقدس سأل الله عز وجل خلالاً ثلاثةً سأل الله عز وجل حكما يصادف حكمه فأوتيه وسأل الله عز وجل ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه وسأل الله عز وجل حين فرغ من بناء المسجد أن لا يأتيه أحد لا ينهزه إلا الصلاة فيه أن يخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمه) رواه أحمد النسائي وابن ماجه وابن حبان وهو حديث صحيح.

وعن إبراهيم التيمي عن أبيه قال سمعت أبا ذر رضي الله عنه قال: (قلت يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال: المسجد الحرام قال قلت ثم أي؟ قال المسجد الأقصى ، قلت كم كان بينهما قال أربعون سنة ثم أينما أدركتك الصلاة بعد فصله فإن الفضل فيه) رواه البخاري ومسلم وقد وردت بعض الأحاديث في مضاعفة الصلاة في المسجد الأقصى فمن ذلك :

عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة والصلاة في مسجدي بألف صلاة والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة ) رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات وفي بعضهم كلام وهو حديث حسن كما قال الهيثمي مجمع الزوائد 4/7 ، ورواه البزار وقال إسناده حسن الترغيب والترهيب 2/175 .

وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: (تذاكرنا ونحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أيهما أفضل أمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أم بيت المقدس؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه ولنعم المصلى هو وليوشكن لأن يكون للرجل مثل شطن فرسه من الأرض حيث يرى منه بيت المقدس خير له من الدنيا جميعاً) رواه الحاكم والطبراني والطحاوي وغيرهم. وقال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح، مجمع الزوائد 4/7 وصححه الشيخ الألباني بل قال عنه إنه أصح ما جاء في فضل الصلاة في المسجد الأقصى ، السلسلة الصحيحة حديث رقم 2902، تمام المنة في التعليق على فقه السنة ص294 .

إذا تقرر هذا من مشروعية شد الرحال للمسجد الأقصى المبارك ومن مضاعفة الصلاة فيه فعلى أهل بيت المقدس وأكناف بيت المقدس أن يشدوا الرحال إلى المسجد الأقصى وأن يحرص كل من يستطيع منهم الوصول إلى المسجد الأقصى أن يصلي فيه دائماً الصلوات الخمس وصلاة الجمعة إن استطاع إلى ذلك سبيلاً وأما ما يفعله بعض الناس في أيام الجمعة كما ذكر السائل حيث إنهم يقصدون مسجداً من مساجد ضواحي بيت المقدس فيصلون الجمعة فيه وحجتهم في ذلك أنهم يأخذون علماً من خطيب ذلك المسجد فهذا كما قال تعالى {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ} -سورة البقرة الآية 61-، وخاصة إن فعله من هم بجوار المسجد الأقصى فيتركون الصلاة في المسجد الأقصى ويصلون في غيره لتلك الحجة الواهية وكأنهم يأخذون العلم من إمام من أئمة المسلمين كأبي حنيفة أو مالك أو الشافعي أو أحمد بن حنبل ؟؟!!!

وينبغي أن أذكر الذين لا يستطيعون الوصول إلى المسجد الأقصى المبارك يوم الجمعة فيقيمون عدة صلوات جمعة عند أبواب البلدة القديمة بأن هذا الفعل يؤدي إلى تعدد صلاة الجمعة في أماكن متقاربة مثل باب العمود وباب الساهرة فأرى لهؤلاء أن يصلوا ظهراً ولا يصلوا جمعة؛ لأن تعدد الجمعة لا يشرع في مثل هذه الحالة. كما وأنبه إلى أنه لا يصح لهم أن يصلوا جمعة مع الإمام في المسجد الأقصى وإن سمعوا صوته لأنه هنالك انقطاعاً كبيراً جداً في الصفوف ولا تصح الجماعة مع هذا الانقطاع الكبير كما هو قول المحققين من العلماء.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (أما صلاة الجمعة وغيرها فعلى الناس أن يسدوا الأول فالأول كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها قالوا وكيف تصف الملائكة عند ربها قال يكملون الأول فالأول ويتراصون في الصف)، فليس لأحد أن يسد الصفوف المؤخرة مع خلو المقدمة ولا يصف في الطرقات والحوانيت مع خلو المسجد ومن فعل ذلك استحق التأديب ولمن جاء بعده تخطيه ويدخل لتكميل الصفوف المقدمة فإن هذا لا حرمة له كما أنه ليس لأحد أن يقدم ما يفرش له في المسجد ويتأخر هو وما فرش له لم يكن له حرمة بل يزال ويصلي مكانه على الصحيح بل إذا امتلأ المسجد بالصفوف صفوا خارج المسجد فإذا اتصلت الصفوف حينئذ في الطرقات والأسواق صحت صلاتهم وأما إذا صفوا وبينهم وبين الصف الآخر طريق يمشي الناس فيه لم تصح صلاتهم في أظهر قولي العلماء وكذلك إذا كان بينهم وبين الصفوف حائط بحيث لا يرون الصفوف ولكن يسمعون التكبير من غير حاجة فإنه لا تصح صلاتهم في أظهر قولي العلماء وكذلك من صلى في حانوته والطريق خال لم تصح صلاته وليس له أن يقعد في الحانوت وينتظر اتصال الصفوف به بل عليه أن يذهب إلى المسجد فيسد الأول فالأول ) الفتاوى الكبرى 1/160

وخلاصة الأمر أن من استطاع الوصول إلى المسجد الأقصى المبارك في صلاة الجمعة وفي غيرها من الصلوات فعليه أن يصلي فيه ولا يلتفت إلى من يدعوه إلى الصلاة في غير المسجد الأقصى المبارك من مساجد أحياء بيت المقدس بحجج واهية.

والله أعلم.