السؤال:

هل يعتد بالبصمة الوراثية في الحدود، مع ذكر الأدلة إذا كان هناك خلاف، وهل يمكن ضبطها بضوابط شرعية وتفعيلها علميًّا؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد :
فمنذ أن ظهرت البصمة الوراثية أو تحليل  (dna) وقد احتدم الخلاف الفقهي حول ما إذا كانت تثبت النسب أم لا ؟ وهل تثبت بها الحدود والجنايات أم لا ، والراجح في مجال الحدود والجنايات أنها قرينة يستعملها القاضي لإثبات الحد أو الجناية، لكنها لا تكفي دليلا قطعيا في ثبوت الحد أو الجناية .

يقول الدكتور قيس بن محمد آل مبارك : في موقع الإسلام اليوم:

يحسن بداية أن أشير إلى أمرين :
الأول : أن من الممنوع شرعا اعتماد الأوهام والمحتملات في إثبات الجنايات، كالحزر والتخمين، وكذلك لا يُحكم بكلام المنجمين، ولا يُحكم بالفأل، فالفأل شيء يحبُّه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه طريقٌ لِحُسْنِ الظن، لا لأنه سبيلٌٌ للتمييز بين الحق والباطل، فلا يصح أن تقوم به حجة، ولا يُحكم كذلك بالتفكُّر ولا بالتَّوسُّم ولا بالفراسة، ولا يُحتجُّ بأنها من صفات المؤمنين، ذلك أنها قد تكون حقا من الله تعالى وقد تكون من النفس أو من الشيطان، وكل شيء يكون محلاً للاحتمال لا يصحُّ أن يقع به الاستدلال .

الآخر : أن أدلَّة الإثبات في أبواب الحدود أشدُّ منها في عموم الجنايات، فالغالب في الحدود أنه ليس فيها أخذٌ لحق من حقوق البشر، وإنما هي حقوق الله تعالى والأصل فيها التغليظ في إثباتها، فقاعدة الشريعة الإسلامية أن الشيءَ كلَّما عَظُمَ قدْرُهُ واشتدَّ خَطَرُهُ بالَغَتْ في إبعاده وتردَّدتْ في قبول دلائله وبَيِّناته، احتياطاً لحرمة الأديان والنفوس والأعراض، وفي هذا محافظة على الستر ومنعٌ من فُشوِّ المناكر وشيوعها، فصارت الحدودُ تُدرأ بأدنى شبهة، وظَهْرُ المؤمن معصوم، لا يجوز أن يُستباح إلا باليقين، لا بالظنون ولا بالاشتباه، ولذلك استثنى الفقهاءُ الحدودَ من وجوب أداء الشهادة، لأن الشأن فيها الستر على العاصي، إلا إذا خِيْفَ أن يتعدَّى ضرره لغيره .

ومن ثم فلنا أن نقول إن البصمة الوراثية وسيلة حديثة، وتحليل يسمَّى(تحليل كهروكيماويي)، وبه يمكن معرفة كل إنسان بعينه، ويمكن تمييزه عن غيره، وذلك حالَ وجود ما يسمَّى ببنك المعلومات الذي يُذكرُ فيه كل إنسان مقترنا ببصمته الوراثية، ويتم ذلك بأخذ جزء من جسد الإنسان من دمه أو شعره أو عظمه أو لعابه أو جزء من جلده، ثم تحليلها لمعرفة البصمة الوراثية الخاصة به، فيُعرف بذلك البصمة الخاصة به والتي لا يشاركه في صفتها أحد من أقربائه فضلاً عن الأباعد، إلا تَوْأَمُهُ، فقد يكون الجزءُ الموجود له، وقد يكون لِتَوْأَمِهِ، لتشابه التَوْأَميْن في البصمة الوراثية .

وفي الحوادث الجنائية يؤخذ شيء مما يسقط من جسد الجاني المشتبه به في محل الجناية، فإذا كان الشيء المأخوذ من موقع الحدث مطابقا للبصمة الوراثية لأحد المتَّهَمين، فإننا نجزم يقينا أنها بصمةُ هذا المشتبه به، وهذه قرينة تشير إلى احتمال وجود المشتبه به أثناء الجناية، وربما دلَّت على أنه كان مباشرا للجناية .
هذا إذا كان الجاني واحدا، بل وإن كان أكثر من واحد، بحيث إذا وُجِدَت آثار مختلفة في موقع الجناية، فإن هذا دالٌّ على أن المباشر للجناية أكثر من واحد .

فإن دلالة مطابقة الأثر الموجود في محل الجناية مِن شعر أو دم أو عرق أو لعاب أو غيره، للأثر المأخوذ من جسد المتَّهم دلالةٌ أكيدةٌ، على أن الجزء الموجود على جسد المجني عليه، أو في مكان حدوث الجناية، هو جزء من جسد المشتبه به .
غير أن وجود أثرٍ لِشيء من جسم المتَّهم في محل الجريمة لا يعني أنه الفاعل، بل لا ينبغي أن يكون وجود الأثر دليلاً على أن المشتبه به كان موجودا بموقع الحدث .

غير أنه يشكل على هذا أن الفقهاء اعتمدوا الأمارات والدلائل، التي هي دون البصمة الوراثية، ولهم عليها حُجج كثيرة، نقلية وعقلية، أظهرها من القرآن الكريم دلالة قدِّ القميص من الخلف على البراءة، في قوله تعالى:{ قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ، وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ}

وقد قال القرطبي في تفسير قوله تعالى{ وَجَآؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ }: ( استدل الفقهاء بهذه الآية في إعمال الأمارات في مسائل من الفقه)

ذلك أن إخوة سيدنا يوسف عليه السلام وضعوا الدم على القميص ليكون علامة على صدق دعواهم، وأمارةً تدفع عنهم التهمة .

فالبصمة الوراثية، لها دلالة أقوى في تمييز الدم، هل هو لإنسان أم لحيوان، بل وفي تمييز فصيلة الحيوان، وهل هو مفترس أو هو لشاة مثلا .

وبهذا يكون الفقهاءُ قد أقاموا القرائنَ مقام الشهادة كما قال الإمام أبو عبد الله المازري .(ت536هـ) ، وهذا ظاهر في عدة مواضع من كتب الفقه، بل إن بعضها في إثبات الحدود :
فمن ذلك أن مِن الفقهاء مَن أثبت حدَّ الزنا على المرأة غير المتزوجة، إذا ظهر منها أثر الحمل،فاعْتَبَرَ في تَحَقُّقِ الحمل دلالة على وقوع الزنا .

ومنها أن من الفقهاء من أثبت حدَّ الخمر بالرائحة، وعدَّ الرائحة أقوى في حال المشروب من الرؤية، لأن الرؤية لا يُعلم بها الشراب أمسكرٌ هو أم لا، وإنما يعلم ذلك برائحته كما قال أبو الوليد الباجي، وبهذا حكم سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكانت قضاياه تشتهر وتشيع بين الناس، فتأكَّد الحكم بعدم وجود مخالِفٍ له من الصحابة .

ومنها القول بالقسامة .
وففي هذه المواضع جرى اعتبار العلامات والأمارات لإثبات الحدود .
أما القسامة فإنها جاءت مستثناة على خلاف الأصول، لضرورة حقن الدماء، ودفع استرسال القبائل في الأخذ بالثأر، فلا يقاس عليها، فإن القياس يكون على ما يوافق الأصول لا على المستثنى، كما هو معلوم في كتب الأصول .
وأما ثبوت حد الزنا وحد الخمر بالعلامات، فثابت عند الإمام مالك وعند غيره من الفقهاء، ويلاحظ أن القرائن في هذين الموضعين، تدخل في باب قياس الدلالة كدلالة الدخان على النار ودلالة الأنين على المرض، وهو قياس صحيح .
فوجود الرائحة تعتبر علامة وأمارة صريحة يُعلمُ بها صفةَ الشيء المشروب، بل هي أقوى في الدلالة على التُّهمة من علامة الرؤية للمتَّهم بالشرب، قال الباجي (بَلْ الرَّائِحَةُ أَقْوَى فِي حَالِ الْمَشْرُوبِ مِنْ الرُّؤْيَةِ، لِأَنَّ الرُّؤْيَةَ لَا يُعْلَمُ بِهَا الشَّرَابُ أَمُسْكِرٌ هُوَ أَمْ لَا وَإِنَّمَا يُعْلَمُ ذَلِكَ بِرَائِحَتِهِ ) وهذا ما دل عليه كلام سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه فيمن شهد عليه رجلان: أحدهما أنه شرب الخمر، وشهد آخر أنه رآه يتقيأ، فقال سيدنا عثمان: إنه لم يتقيأ حتى شربها .
وكذلك الشأن في الحمْلِ، فحصوله من غير سبب سابق، يدل دلالة قوية بحكم العادة على حصول الزنا وثبوت التُّهمة، إذ يستحيل بحكم العادة أن يقع الحمْلُ من غير تقدُّم نكاح، فكان حمْلُهُ على الزنا متعيِّن، وهذا في غير المتزوجة .
غير أن القائلين بهذا اشترطوا ألا يتقدَّم الحمل سبب سابق من زواج ثابت، أو ما يدلُّ على أنها استُكْرِهَت، مثل أن تأتي وهي تدمى أو أن تستغيث وهي على حال الاعتداء .
وهذا الأمر يجري في إثبات الشرب بالرائحة، حالَ تقدُّم سببٍ ظاهر يفيد أنه شربها مكرها، أو جاهلا أنها خمر .

وعليه فإننا في شأن اعتبار البصمة أخذاً بقوَّة دلالتها على أن الجزء الموجود جزء من جسد المشتبه به، لأنها من باب قياس الدلالة، فإننا أمام أمرين :
الاحتمال الأول :
أن نُراعي قصْد الشارع في الستر على الناس، ونغلِّب درأ الحدود بالشبهات، ويعضد هذا أن اعتماد البصمة الوراثية كدلالة على وجود الجاني في محل الجناية أو على مباشرته جسد المجني عليه لا إشكال فيه، غير أنها دلالة جازمة على مباشرة المشتبه به للمجني عليه أو على وجوده في المكان الذي وقعت فيه الجناية، وهي مظنَّةٌ على أنه هو الجاني، غير أنها أمارة صمَّاء لا تنطق، فوجود المتَّهم في المحل، وإن كان قرينة قويَّة، غير أنه لا يكفي في الإثبات، فليس من لوازم مباشرته للمجني عليه، ولا من لوازم وجوده في المحل أن يكون هو الجاني لا بالمباشرة ولا بالتسبُّب .
وكذلك فإن وجود شيء من أثر المتَّهم على جسد المجني عليه لا يدل يقينا على أنه الجاني، فاحتمال التدليس بتبديل الأثر الموجود في محل الجناية مِن شعر أو دم أمرٌ وارد، فقد ذكر الأطباء أن هذا يمكن أن يقع عرضا وقد يكون عمدا، واحتمال التلوُّث كذلك أمرٌ وارد، فالبصمة الوراثية منفصلة عن الشخص، بحيث يمكن وَضْعُها على ثيابه أو على جسده، وبذلك تكون أضعف من دلالة الرائحة للمشتبه به في شُرْبِهِ الخمر، إذ لا يمكن وضع الرائحة في الفم لإلصاق تهمة، وأضعف من دلالة الحمل كذلك، إذ لا يمكن وضع الجنين في الرحم لإلصاق تهمة الزنا بامرأة .
فوجود المتَّهم في المحل،يعتبر قرينة قويَّة، غير أنه لا يكفي في الإثبات، فليس من لوازم مباشرته للمجني عليه، ولا من لوازم وجوده في المحل أن يكون هو الجاني لا بالمباشرة ولا بالتسبُّب .
وكذلك فإن وجود شيء من أثر المتَّهم على جسد المجني عليه لا يدل يقينا على أنه الجاني، فاحتمال التدليس بتبديل الأثر الموجود في محل الجناية مِن شعر أو دم أمرٌ وارد، فقد ذكر الأطباء أن هذا يمكن أن يقع عرضا وقد يكون عمدا، واحتمال التلوُّث كذلك أمرٌ وارد .
كل هذه الاحتمالات تُشْكِل على اعتبار البصمة الوراثية بيِّنة قاطعة على أن المتَّهم هو الجاني، أي كيف نثبت الجناية على المدَّعى عليه، ونُقيم عليه الحدَّ، بالظنون والمحتملات، فالدلائل والعلامات احتفَّت بها الشُّبه فجعلتها أدلَّة غير جازمة .

الاحتمال الآخر :
أن نراعي حسم باب الفساد وإزالة المناكر، ويعضد هذا أن الحدود إذا وصلت إلى القضاء، شاعت وذاعت وخرجت من باب الستر، فلا معنى للتردُّد في العقوبة سترا على الجاني، يؤكد ذلك أن الشفاعة في الحدود تُقبل ما لَمْ تصل القضاء، فإذا بلغت القضاء فلا شفاعة .

ويتأكَّد هذا المعنى فيمن كَثُرَتْ إساءته، واشتهر أمره بقرائن أخرى، فيكون تركُهُ إعانةً له على الفساد .
يضاف إلى هذا أن من الحدود ما تدخله حقوق العباد، مثال ذلك الزنا فالحق فيه يكون لوالدَي المرأة ويكون لابنها ولزوجها ولسائر أقربائها، لما يفضي إليه الزنا من هتك سترٍ، ولما يجره عليهم من عار وفضيحة .
وقد تميل النفس إلى الأخذ بهذا الاحتمال إذا سَلِمَتْ دلالةُ البصمة مما يعارضها، فإن هذه الدلالة إذا عارضها غيرُها، ضَعُفَ الاحتجاج بها، وهذا ما حصل في قصة سيدنا يوسف عليه السلام، فقد قَرَنَ اللهُ بعلامة وجود الدم في القميص، علامات تعارضها، وتُسقط الاحتجاج بها، منها احتمال أن يكون الدم قد وُضِعَ في القميص، ومنها سلامة القميص من الخرق فقد روي أن سيدنا يعقوب عليه السلام لما لَمْ يجد في القميص شقا ولا خرقا، قال: يا بني، والله ما كنت أعْهَدُ الذئبَ حليماً إذْ أكلَ ابْنِي وأبْقى قميصه، ولذلك قال {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ }، هذا ما ظهر لي، والمسألة تحتاج إلى مزيد بحث.

والله أعلم .

نقلا عن موقع الإسلام اليوم.