السؤال:

ما قولكم فيما فعله خطيب الجمعة في مسجدنا حيث إنه خطب الجمعة، وفي الخطبة الثانية حوَّل رداءه وهو على المنبر، وطلب من المصلين أن يقفوا، ثم استقبل القبلة وهو على المنبر ثم دعا والمصلون يؤمنون على دعائه، ثم طلب من المؤذن أن يقيم الصلاة للاستسقاء، فصلوا ركعتين كهيئة صلاة العيد، وبعد انتهاء هذه الصلاة خرج عدد كبير من المصلين من المسجد ولم يصلوا الجمعة، ثم طلب بعض المصلين من الإمام أن يصلي الجمعة فصلى بهم ركعتين، فما الحكم في ذلك، أفيدونا؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..

فصلاة الاستسقاء سنة مؤكدة وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم هيئات متعددة في كيفية الاستسقاء،  وأكمل صفاتها أن يخرج الناس إلى مصلى العيد فيصلوا ركعتين كصلاة العيد مع خطبة، فإن استسقى إمام الجمعة أثناء خطبة الجمعة فحسن، أما ما فعله الإمام المذكور فهو مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، وقد وقع هذا الإمام في جملة أخطاء فصلها الدكتور حسام عفانه –أستاذ الفقه وأصوله- بجامعة القدس بفلسطين- وإليك نص فتواه:

إن الأصل الذي قرره العلماء في العبادات عامة، والصلاة بشكل خاص، هو التلقي عن النبي صلى الله عليه وسلم، فالأصل فيها التوقيف أو الحظر كما يعبر بعض العلماء، أي أن الأصل أن لا نفعل شيئاً في باب العبادات ما لم يكن وارداً عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويجب علينا أن نلتزم بذلك بلا زيادة ولا نقصان، يقول الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} -سورة المائدة الآية 3-، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌ) رواه مسلم.

وكان عليه الصلاة والسلام يقول في خطبه: (أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة) رواه مسلم.

فالأصل في المسلم أن يقف عند موارد النصوص فلا يتجاوزها لأننا أمرنا بالإتباع ونهينا عن الابتداع، فنحن مأمورون بإتباعه صلى الله عليه وسلم والإقتداء به، كما قال تعالى:{ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ} سورة الأحزاب الآية21.

وقد بين لنا الرسول صلى الله عليه وسلم كيفية الصلاة وعدد ركعاتها وأوقاتها وكل ما يتعلق بها، وعلَّم الصحابة كيف يصلون وصلى أمامهم، وقال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) رواه البخاري.

هذا هو الأصل الأصيل فقوام هذا الدين في أمرين:

الأول ألا يُعبدَ إلا الله.

والثاني أن لا يُعبدَ اللهُ إلا بما شرع.

وبناءً على ذلك فما فعله خطيب الجمعة المذكور في السؤال مخالف لسنة النبي صلى الله عليه وسلم بالإضافة لوقوعه في عدة أخطاء، ومن هنا تأتي ضرورة أن يكون أئمة المساجد وخطباء الجمعة على درجة من الفقه في الدين وبالذات فيما يتعلق بأحكام الصلاة، لا أن تترك المساجد عامة وخطب الجمعة خاصة لكل من هب ودب ممن لا يحسنون ألف باء العلم الشرعي.

إذا تقرر هذا فإن صلاة الاستسقاء مشروعة بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند قلة الأمطار وانحباسها فلا بد للناس أن يبادروا إلى التوبة والاستغفار مصداقاً لقوله تعالى: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً) -سورة نوح الآيات 10- 12-.

قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [صلاة الاستسقاء سنة مؤكدة ثابتة بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخلفائه رضي الله عنهم ] المغني 3/334.

وقال الحافظ ابن عبد البر: [وأجمع العلماء على أن الخروج إلى الاستسقاء، والبروز، والاجتماع إلى الله عز وجل خارج المصر بالدعاء، والضراعة إلى الله تبارك اسمه في نزول الغيث عند احتباس ماء السماء وتمادي القحط سنة مسنونة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا خلاف بين علماء المسلمين في ذلك] التمهيد 17/172.

وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استسقى على عدة أوجه كما قال العلامة ابن القيم [ ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه استسقى على وجوه:

أحدها: يوم الجمعة على المنبر في أثناء خطبته وقال اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم اسقنا اللهم اسقنا اللهم اسقنا.

الوجه الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم وعد الناس يوماً يخرجون فيه إلى المصلى فخرج -لما طلعت الشمس- متواضعاً متبذلاً متخشعاً مترسلاً متضرعاً، فلما وافى المصلى صعد المنبر – إن صح وإلا ففي القلب منه شيء – فحمد الله وأثنى عليه وكبره وكان مما حفظ من خطبته ودعائه:

(الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين لا إله إلا الله يفعل ما يريد اللهم أنت الله لا إله إلا أنت تفعل ما تريد اللهم لا إلا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلته علينا قوة لنا وبلاغاً إلى حين ثم رفع يديه وأخذ في التضرع والابتهال والدعاء وبالغ في الرفع حتى بدا بياض إبطيه ثم حوَّل إلى الناس ظهره واستقبل القبلة، وحوَّل إذ ذاك رداءه وهو مستقبل القبلة فجعل الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن وظهر الرداء لبطنه وبطنه لظهره وكان الرداء خميصة سوداء، وأخذ في الدعاء مستقبل القبلة والناس كذلك، ثم نزل فصلى بهم ركعتين كصلاة العيد، من غير أذان ولا إقامة، ولا نداء ألبتة، جهر فيهما بالقراءة وقرأ في الأولى بعد فاتحة الكتاب “سبح اسم ربك الأعلى” وفي الثانية “هل أتاك حديث الغاشية”.

الوجه الثالث: أنه صلى الله عليه وسلم استسقى على منبر المدينة استسقاءً مجرداً في غير يوم جمعة ولم يحفظ عنه صلى الله عليه وسلم في هذا الاستسقاء صلاة.

الوجه الرابع: أنه صلى الله عليه وسلم استسقى وهو جالس في المسجد فرفع يديه ودعا الله عز وجل فحفظ من دعائه حينئذ: “اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً مريعاً طبقاً عاجلاً غير رائث – غير بطيء ولا متأخر – نافعاً غير ضار.

الوجه الخامس: أنه صلى الله عليه وسلم استسقى عند أحجار الزيت قريباً من الزوراء وهي خارج باب المسجد الذي يدعى اليوم باب السلام نحو قذفة حجر ينعطف عن يمين الخارج من المسجد.

الوجه السادس: أنه صلى الله عليه وسلم استسقى في بعض غزواته لما سبقه المشركون إلى الماء فأصاب المسلمين العطش فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال بعض المنافقين لو كان نبياً لاستسقى لقومه كما استسقى موسى لقومه، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال أوقد قالوها؟ عسى ربكم أن يسقيكم، ثم بسط يديه ودعا فما ردَّ يديه من دعائه حتى أظلهم السحاب وأمطروا فأفعم السيل الوادي فشرب الناس فارتووا] زاد المعاد في هدي خير العباد 1/ 457 – 458.

وأكمل وجوه صلاة الاستسقاء هو الثاني كما قال الإمام النووي [ أفضلها وهو الاستسقاء بصلاة ركعتين ] المجموع 5/64.

وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [قال القاضي‏:‏ الاستسقاء ثلاثة أضرب‏،‏ أكملها الخروج والصلاة على ما وصفنا ويليه استسقاء الإمام يوم الجمعة على المنبر … والثالث أن يدعو الله تعالى عقيب صلواتهم‏‏ وفي خلواتهم‏‏] المغني 2/327.

وأما الاستسقاء يوم الجمعة بالدعاء أثناء خطبة الجمعة فهو ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (إن رجلاً دخل يوم الجمعة من باب كان وجاه المنبر ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب فاستقبل رسول الله قائماً فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا. قال: فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه فقال: اللهم اسقنا اللهم اسقنا، قال أنس: والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة ولا شيئاً وما بيننا وبين سلع – اسم جبل بالمدينة المنورة – من بيت ولا دار قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت. قال: والله ما رأينا الشمس سبتاً – أي أسبوعاً – ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فاستقبله قائماً. فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يمسكها. قال: فرفع رسول الله يديه ثم قال :اللهم حوالينا لا علينا اللهم على الآكام والجبال والظراب والأودية ومنابت الشجر. قال : فانقطعت وخرجنا نمشي في الشمس).

وبعد توضيح هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء، أعود لبيان ما فعله الخطيب المذكور فأقول:

1- إن طلب الخطيب من الناس أن يقفوا ليؤمنوا على دعاء الخطيب، أمر غير مشروع وبدعة ابتدعها على خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمن المعلوم الثابت أن المصلين يؤمنون على دعاء الخطيب وهم جلوس.

2- قلب الخطيب لردائه واستقباله القبلة وهو على منبر الجمعة، على خلاف سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ثبت في الحديث الذي ذكرته سابقاً أن الرسول الله صلى الله عليه وسلم لما استسقى وهو على منبر الجمعة، رفع يديه فقال: اللهم اسقنا اللهم اسقنا..إلخ.

3- طلب الخطيب من المؤذن أن يقيم الصلاة للاستسقاء، هذا فيه عدة أخطاء، حيث صلى الاستسقاء محل صلاة الجمعة، وهذا أمر باطل؛ لأن خطبة الجمعة جزء من صلاة الجمعة، وقد فصل الخطيب بين صلاة الجمعة وخطبة الجمعة، ولا يشرع أن يصلي الاستسقاء محل صلاة الجمعة، كما أنه لا يشرع الأذان ولا الإقامة لصلاة الاستسقاء، لما ثبت في صحيح البخاري عن أبى إسحاق خرج عبد الله بن يزيد الأنصاري وخرج معه البراء بن عازب وزيد بن أرقم رضي الله عنهم فاستسقى، فقام بهم على رجليه على غير منبر فاستغفر، ثم صلى ركعتين يجهر بالقراءة ولم يؤذن ولم يقم. قال أبو إسحاق ورأى عبد الله بن يزيد النبي صلى الله عليه وسلم. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[ ولا يسن لها أذان ولا إقامة، ولا نعلم فيه خلافاً] المغني 3/337.

4- المصلون الذين خرجوا من المسجد بعد انتهاء صلاة الاستسقاء المبتدعة ولم يصلوا الجمعة، يلزمهم أن يقضوا صلاة الظهر، لأنهم لم يصلوا الجمعة.

وخلاصة الأمر أن صلاة الاستسقاء سنة مؤكدة وأن أكمل صفاتها أن يخرج الناس إلى مصلى العيد فيصلوا ركعتين كصلاة العيد مع خطبة، فإن استسقى إمام الجمعة أثناء خطبة الجمعة فحسن، ولا يشرع بحال من الأحوال أن يصلي الاستسقاء محل صلاة الجمعة، وكذلك لا أرى أن يصلي ركعتين بعد الجمعة ويقنت في الثانية بعد الركوع كما يفعله بعض أئمة المساجد؛ لأن هذه الصفة لم تنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يقل بها أحد من العلماء فيما أعلم، وإنما يُكتفى بالدعاء في خطبة الجمعة، وأن ما فعله الخطيب المذكور، فيه جملة من الأخطاء حيث إنه صلى الاستسقاء على هيئة صلاة العيد محل صلاة الجمعة، ولا شك في بطلان ذلك وأنه غير مشروع ولا بحال من الأحوال.

والله أعلم.