السؤال:

ما حكم الصلاة على الغائب، فقد مات لنا صديق في مكان بعيد ولا نتمكن من الذهاب إليه هناك، فهل يجوز لنا أن نصلي عليه هنا؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :

اختلف العلماء في حكم الصلاة على الغائب، فمنعه جمهور الفقهاء ، وأجازه الشافعية وغيرهم. وقد صح أن النبي -صلى الله عليه وسلم -صلى على النجاشي حين مات بأرض الحبشة صلاة الغائب هو ومن معه من الصحابة، فرأى بعض الفقهاء أن هذا خاص به – صلى الله عليه وسلم-.

ورأى آخرون أن هذا خاص بمن مات في أرض لم يصل عليه فيها أحد، وهذا اتجاه قوي قال به شيخ الإسلام ابن تيمية.

ورجح الشوكاني أنه يجوز في حق كل أحد، صلي عليه أم لا بشرط أن يكون المصلي في بلد آخر غير البلد الذي مات فيه الميت.

جاء في كتاب  نيل الأوطار للشوكاني تعقيبا على صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي :

…وقد استدل بهذه القصة القائلون بمشروعية الصلاة على الغائب عن البلد . قال في الفتح : وبذلك قال الشافعي وأحمد وجمهور السلف حتى قال ابن حزم: لم يأت عن أحد من الصحابة منعه. قال الشافعي : الصلاة على الميت دعاء له فكيف لا يدعى له وهو غائب أو في القبر.

وذهبت الحنفية والمالكية وحكاه في البحر عن العترة أنها لا تشرع الصلاة على الغائب مطلقا. قال الحافظ: وعن بعض أهل العلم إنما يجوز ذلك في اليوم الذي يموت فيه أو ما قرب منه إلا إذا طالت المدة حكاه ابن عبد البر، وقال ابن حبان: إنما يجوز ذلك لمن كان في جهة القبلة، قال المحب الطبري: لم أر ذلك لغيره.

واعتذر من لم يقل بالصلاة على الغائب عن هذه القصة بأعذار منها:

1-أنه كان بأرض لم يصل عليه بها أحد ومن ثم قال الخطابي: لا يصلى على الغائب إلا إذا وقع موته بأرض ليس فيها من يصلي عليه واستحسنه الروياني وترجم بذلك أبو داود في السنن، فقال: باب الصلاة على المسلم يليه أهل الشرك في بلد آخر. قال الحافظ: وهذا محتمل إلا أنني لم أقف في شيء من الأخبار أنه لم يصل عليه في بلده أحد انتهى.

وممن اختار هذا التفصيل شيخ الإسلام ابن تيمية حفيد المصنف والمحقق المقبلي واستدل له بما أخرجه الطيالسي وأحمد وابن ماجه وابن قانع والطبراني والضياء المقدسي

وعن أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد: ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن أخاكم مات بغير أرضكم فقوموا فصلوا عليه ).

2- ومن الأعذار قولهم إنه كشف له صلى الله عليه وآله وسلم حتى رآه فيكون حكمه حكم الحاضر بين يدي الإمام الذي لا يراه المؤتمون ولا خلاف في جواز الصلاة على من كان كذلك .

قال ابن دقيق العيد: هذا يحتاج إلى نقل ولا يثبت بالاحتمال وتعقبه بعض الحنفية بأن الاحتمال كاف في مثله هذا من جهة المانع . قال الحافظ : وكأن مستند القائل بذلك ما ذكره الواحدي في أسباب النزول بغير إسناد عن ابن عباس قال : ( كشف للنبي صلى الله عليه وآله وسلم عن سرير النجاشي حتى رآه وصلى عليه ) ولابن حبان من حديث عمران بن حصين : ( فقاموا وصفوا خلفه وهم لا يظنون إلا أن جنازته بين يديه ) ولأبي عوانة من طريق أبان وغيره عن يحيى فصلينا خلفه ونحن لا نرى إلا أن الجنازة قدامنا .

3-ومن الأعذار أن ذلك خاص بالنجاشي لأنه لم يثبت أنه صلى الله عليه وآله وسلم صلى على ميت غائب غيره وتعقب بأنه صلى الله عليه وآله وسلم صلى على معاوية بن معاوية الليثي وهو مات بالمدينة والنبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذ ذاك بتبوك ذكر ذلك في الاستيعاب .

وروي أيضا عن أبي أمامة الباهلي مثل هذه القصة في حق معاوية بن مقرن وأخرج مثلها أيضا عن أنس في ترجمة معاوية بن معاوية المزني ثم قال بعد ذلك: أسانيد هذه الأحاديث ليست بالقوية ولو أنها في الأحكام لم يكن شيء منها حجة .

وقال الحافظ في الفتح متعقبا لمن قال أنه لم يصل على غير النجاشي قال : وكأنه لم يثبت عنده قصة معاوية بن معاوية الليثي وقد ذكرت في ترجمته في الصحابة أن خبره قوي بالنظر إلى مجموع طرقه. انتهى.

وقال الذهب : لا نعلم في الصحابة معاوية بن معاوية وكذلك تكلم فيه البخاري. وقال ابن القيم : لا يصح حديث صلاته صلى الله عليه وآله وسلم على معاوية بن معاوية لأن في إسناده العلاء بن يزيد قال ابن المديني : كان يضع الحديث .

( والحاصل ) أنه لم يأت المانعون من الصلاة على الغائب بشيء يعتد به سوى الاعتذار بأن ذلك مختص بمن كان في أرض لا يصلى عليه فيها وهو أيضا جمود على قصة النجاشي يدفعه الأثر والنظر . انتهى كلام الشوكاني.

وفي كتاب الفقه الإسلامي وأدلته للدكتور وهبه الزحيلي :

للفقهاء رأيان في الصلاة على الغائب عن البلد :

رأي الحنفية والمالكية: عدم جواز الصلاة على الغائب، وصلاة النبي على النجاشي لغوية أو خصوصية، وتكون الصلاة حينئذ مكروهة.

ورأى الشافعية والحنابلة: جواز الصلاة على الميتالغائب عن البلد، وإن قربت المسافة، ولم يكن في جهة القبلة، لكن المصلي يستقبل القبلة، لما روى جابر: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم صلى على أصحمة النجاشي، فكبر عليه أربعاً» .

وتتوقت الصلاة على الغائب عند الحنابلة بشهر، كالصلاة على القبر؛ لأنه لا يعلم بقاؤه من غير تلاش أكثر من ذلك.

ويقول الشيخ ابن العثيمين – رحمه الله – مبينا حكم الصلاة على الميت الغائب:

هذه المسألة اختلف فيها العلماء على أقوال ثلاثة:

القول الأول: أنه يصلى على كل غائب، ولو صلى عليه آلاف الناس.

وبناء على هذا القول اتخذ بعض العلماء عملاً لا يشك أحد في أنه بدعة، فقال: إذا أردت أن تنام فصلِّ صلاة الجنازة على كل من مات في اليوم والليلة من المسلمين تؤجر أجراً كثيراً، فقد يكون مات في هذه الليلة آلاف فيكون لك أجر آلاف الصلوات.

ولكن هذا القول لا شك أنه بدعة؛ لأن أعلم الناس بالشرع، وأرحم الناس بالخلق، وأحب الناس أن ينفع الناس الرسول عليه الصلاة والسلام لم يفعل ذلك، ولا فعله خلفاؤه الراشدون، ولا علم عن أحد من الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ.

القول الثاني: أنه يصلى على الغائب إذا كان فيه غناء للمسلمين، أي: منفعة، كعالم نفع الناس بعلمه، وتاجر نفع الناس بماله، ومجاهد نفع الناس بجهاده، وما أشبه ذلك، فيصلى عليه شكراً له ورداً لجميله، وتشجيعاً لغيره أن يفعل مثل فعله.

وهذا قول وسط اختاره كثير من علمائنا المعاصرين وغير المعاصرين.

القول الثالث: لا يصلى على الغائب إلا على من لم يصلَّ عليه. حتى وإن كان كبيراً في علمه، أو ماله، أو جاهه، أو غير ذلك، فإنه لا يصلى عليه، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ.

واستدل لذلك: بأن الصلاة على الجنازة عبادة، والعبادة لا تشرع إلا من الكتاب والسنة، ولم يحفظ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه صلى على غائب إلا على النجاشي؛ لأنه مات بين أمة مشركة، ليسوا من أهل الصلاة، وإن كان أحد منهم آمن، فلا يعرف عن كيفية الصلاة شيئاً. فأخبر به النبي صلّى الله عليه وسلّم في اليوم الذي مات فيه، وهو في الحبشة، والرسول صلّى الله عليه وسلّم في المدينة وقال: «إنه مات عبد لله صالح» ، وفي بعض الروايات: «إن أخاً لكم قد مات ثم أمرهم أن يخرجوا إلى المصلى» ، فالاستدلال بصلاة النبي صلّى الله عليه وسلّم على النجاشي لا يصح؛ لأنه لا يصح الاستدلال بالأخص على الأعم، لكن يستدل بالأعم على الأخص؛ لأن العام يشمل جميع أفراده، فقضية النجاشي قضية خاصة، وليست لفظاً عاماً.

والله أعلم.