السؤال:

ما معنى هذا الدعاء (اللهم أحصهم عدداً واقتلهم بدداً) وهل يجوز الدعاء به، أفيدونا؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام، على رسول الله وبعد..

فمن السنة القنوت في الصلوات الخمس عند النوازل، وينبغي للقانت أن يدعو عند كل نازلةٍ بالدعاء المناسب لتلك النازلة، وإذا سمَّى من يدعو لهم من المؤمنين، ومن يدعو عليهم من الكافرين المحاربين كان ذلك حسناًويشرع الدعاء على كل من ظلم المسلمين وسفك دمائهم، وخرب ديارهم ومساجدهم، ومن السنة الدعاء بمثل دعاء خبيب رضي الله عنه (اللهم أحصهم عدداً واقتلهم بدداً ولا تبق منهم أحداً).

هذا خلاصة ما جاء في فتوى الدكتور حسام عفانه –أستاذ الفقه وأصوله- بجامعة القدس بفلسطين- وإليك نص فتواه:

روى الإمام البخاري في صحيحه بإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:(بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة عيناً وأمَّر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري جدُ عاصم بن عمر بن الخطاب حتى إذا كانوا بالهدة بين عسفان ومكة ذُكِروا لحيٍ من هذيل يقال لهم بنو لحيان، فنفروا لهم بقريب من مائة رجلٍ رامٍ، فاقتصوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم التمر في منزل نزلوه، فقالوا تمر يثرب، فاتبعوا آثارهم، فلما حس بهم عاصمٌ وأصحابه لجئوا إلى موضعٍ فأحاط بهم القوم فقالوا لهم انزلوا، فأعطوا بأيديكم ولكم العهد والميثاق أن لا نقتل منكم أحداً، فقال عاصم بن ثابت أيها القوم أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر ثم قال اللهم أخبر عنا نبيك صلى الله عليه وسلم فرموهم بالنبل فقتلوا عاصماً ونزل إليهم ثلاثة نفر على العهد والميثاق منهم خبيب وزيد بن الدثنة ورجل آخر فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فربطوهم بها، قال الرجل الثالث هذا أول الغدر والله لا أصحبكم إن لي بهؤلاء أسوة يريد القتلى فجرروه وعالجوه فأبى أن يصحبهم – فقتلوه – فانطلقوا بخبيب وزيد بن الدثنة حتى باعوهما بعد وقعة بدر، فابتاع بنو الحارث بن عامر بن نوفل خبيباً، وكان خبيب هو قتل الحارث بن عامر يوم بدر، فلبث خبيبٌ عندهم أسيراً حتى أجمعوا قتله، فاستعار من بعض بنات الحارث، موسىً يستحدُ بها – يحلق عانته – فأعارته فدرج بُنَيٌ لها وهي غافلة حتى أتاه، فوجدته مُجلسَه على فخذه والموسى بيده، قالت ففزعت فزعةً عرفها خبيب، فقال أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك، قالت والله ما رأيت أسيراً قط خيراً من خبيب، والله لقد وجدته يوماً يأكل قطفاً من عنب في يده وإنه لموثق بالحديد وما بمكة من ثمرة، وكانت تقول إنه لرزقٌ رزقه الله خبيباً، فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحل، قال لهم خبيب دعوني أصلي ركعتين، فتركوه فركع ركعتين، فقال: والله لولا أن تحسبوا أن ما بي جزعٌ لزدت، ثم قال: اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بَدداً، ولا تبق منهم أحداً، ثم أنشأ يقول:

فلست أبالي حين أقتل مسلماً .. على أي جنبٍ كان لله مصرعي

وذلك في ذات الإله وإن يشأ .. يبارك على أوصال شلوٍ ممزع

-أي أعضاء جسدٍ يقطع- ثم قام إليه أبو سروعة عقبة بن الحارث فقتله، وكان خبيب هو سنَّ لكل مسلم قُتل صبراً الصلاة، وأخبر –النبي صلى الله عليه وسلم- أصحابه يوم أصيبوا خبرهم. وبعث ناسٌ من قريش إلى عاصم بن ثابت حين حُدثوا أنه قتل أن يؤتوا بشيء منه يعرف، وكان قتل رجلاً عظيماً من عظمائهم، فبعث الله لعاصمٍ مثل الظُلَّة من الدبر – أي مثل السحابة من الزنابير – فحمته من رسلهم فلم يقدروا أن يقطعوا منه شيئاً …).

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [قوله: (ثم قال: اللهم أحصهم عدداً) زاد في رواية إبراهيم بن سعد ” واقتلهم بدداً ” أي متفرقين ” ولا تبق منهم أحداً ” وفي رواية بريدة بن سفيان ” فقال خبيب: اللهم إني لا أجد من يبلغ رسولك مني السلام فبلِّغه” وفيه فلما رفع على الخشبة استقبل الدعاء قال: فلبد رجل بالأرض خوفاً من دعائه “فقال” اللهم أحصهم عدداً واقتلهم بدداً ” قال فلم يحلْ الحولُ ومنهم أحدٌ حيٌ غير ذلك الرجل الذي لبد بالأرض .

وحكى ابن إسحاق عن معاوية بن أبي سفيان قال: “كنت مع أبي فجعل يلقيني إلى الأرض حين سمع دعوة خبيب” وفي رواية أبي الأسود عن عروة ” ممن حضر ذلك أبو إهاب بن عزيز والأخنس بن شريق وعبيدة بن حكيم السلمي وأمية بن عتبة بن همام “وعنده أيضاً” فجاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأخبر أصحابه بذلك “وعند موسى بن عقبة” فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك اليوم وهو جالس: وعليك السلام يا خبيب ، قتلته قريش”.] فتح الباري 7/479.

قال ابن الأثير: [وفيه “اللهم أحصهم عدداً واقتلهم بدداً” يروى بكسر الباء جمع بُدّة وهي الحصة والنصيب، أي اقتلهم حصصاً مقسمة لكل واحدٍ منهم حصته ونصيبه. ويروى بالفتح أي متفرقين في القتل واحداً بعد واحد، من التبديد ] النهاية في غريب الحديث 1/105.

وقد أخذ أهل العلم من هذه الحادثة جواز الدعاء على الكفار بمثل هذا الدعاء (اللهم أحصهم عدداً واقتلهم بدداً ولا تبق منهم أحداً)، لأن هذه الحادثة حصلت في العهد النبوي فأقرها الرسول صلى الله عليه وسلم ولم ينكر على خبيب دعائه،وورد كما سبق في كلام الحافظ ابن حجر فلم يحل الحول ومنهم أحدٌ حيٌ، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو مقرر عند الأصوليين.

ومما يؤيد الدعاء على الكفرة المحاربين بمثل دعاء خبيبما ورد في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:( كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو في القنوت اللهم أنج سلمة بن هشام اللهم أنج الوليد بن الوليد اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين اللهم اشدد وطأتك على مضر اللهم سنين كسني يوسف) رواه البخاري .

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهراً متتابعاً في الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح في دبر كل صلاة إذا قال: سمع الله لمن حمده من الركعة الأخيرة، يدعو عليهم، يدعو على حيٍ من بني سُليم، على رعل وذكوان وعصية، ويُؤَمِن من خلفه ) رواه أحمد وأبو داود وإسناده حسن أو صحيح كما قال النووي في الخلاصة 1/ 461.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (لَأُقَرِّبَنَّ بكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان أبو هريرة يقنت في الركعة الأخيرة في صلاة الظهر والعشاء الأخيرة وصلاة الصبح بعدما يقول: سمع الله لمن حمده، فيدعو للمؤمنين ويلعن الكفار) رواه البخاري ومسلم. وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لعنةُ الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) رواه البخاري ومسلم.

ويدل على ذلك قوله تعالى على لسان نوح عليه السلام:{وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً }سورة نوح الآيتان 26- 27.

وجاء فـي دعاء نبي الله موسى عليه السلام: {وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ }سورة يونس الآية 88. قال ابن كثير: [وهذه دعوة غضبٍ لله تعالى ولدينه ولبراهينه، فاستجاب الله لها وحقّقها وتقبَّّلها، كما استجاب لنوحٍ فـي قومه.] البداية والنهاية 2/106.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [والدعاء على جنس الظالمين الكفار مشروع مأمور به، وشرع القنوت والدعاء للمؤمنين، والدعاء على الكافرين] مجموع الفتاوى 8/335.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً: [وينبغي للقانت أن يدعو عند كل نازلةٍ بالدعاء المناسب لتلك النازلة، وإذا سمَّى من يدعو لهم من المؤمنين، ومن يدعو عليهم من الكافرين المحاربين كان ذلك حسناً] مجموع الفتاوى22/271.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً: [وكذلك المأثور عن الصحابة مثل:عمر، وعلي، وغيرهما رضي الله عنهم هو: القنوت العارض قنوت النوازل، ودعاء عمر فيه، وهو قوله:”اللهم عذب كفرة أهل الكتاب…إلخ، يقتضي أنه دعا به عند قتاله للنصارى] مجموع الفتاوى 22/373.

قال الإمام النووي: [قال أصحابنا: وإن قنت بما جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان حسناً وهو أنه قنت في الصبح بعد الركوع فقال: [اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ولا نكفرك ونؤمن بك ونخلع من يفجرك اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك الجد بالكفار ملحق اللهم عذب الكفرة الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك ويقاتلون أوليائك اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات وأصلح ذات بينهم وألف بين قلوبهم واجعل في قلوبهم الإيمان والحكمة وثبتهم على ملة رسولك صلى الله عليه وسلم وأوزعهم أن يوفوا بعهدك الذي عاهدتهم عليه وانصرهم على عدوك وعدوهم إله الحق واجعلنا منهم].

واعلم أن المنقول عن عمر رضي الله عنه: [عذب كفرة أهل الكتاب ] لأن قتالهم ذلك الزمان كان مع كفرة أهل الكتاب، وأما اليوم فالاختيار أن يقول [عذب الكفرة ] فإنه أعم] الأذكار 48-50.

وخلاصة الأمر أن الدعاء بمثل دعاء خبيب رضي الله عنه (اللهم أحصهم عدداً واقتلهم بدداً ولا تبق منهم أحداً)، جائزٌ ومشروعٌ على الكفرة المتسلطين على رقاب المسلمين، الذين يذيقون المسلمين سوء العذاب قتلاً وذبحاً وتهجيراً وهدماً للمساجد وللمنازل وغيرها من مصالح المسلمين، وهذا الدعاء هو المناسب لأحوال الأمة اليوم في ظل ما تعانيه من هذه الهجمة الشرسة التي تستهدف الإنسان والحيوان والشجر والحجر. ولا يلتفت لقول من منع ذلك بحجة أنه من الاعتداء في الدعاء فقوله باطل مردود عليه، وفيه خذلان للمسلمين.

والله أعلم.