السؤال:

هل يجوز للأب أو الأم تفضيل بعض الأولاد بشيء من الهدايا أو غيرها عن بعضهم الآخر؟

الجواب:

الأصل في تربية الأولاد توفير ما يحتاجونه من رعاية مادية وأدبية، وتقوية أوَاصر الأخوة بينهم، وذلك ليكونوا مستعدِّين لمواجهة الحياة عند استقلالهم بالمعيشة ولتدوم بينهم رابطة المحبة والتعاون على الرغم من تفرُّقهم وتكوين أسر جديدة، وليردُّوا المعروف الذي تلقَّوْه من آبائهم وأمَّهاتهم عطفًا وحسن رعاية عند الحاجة إليهم .

 
ولا تُنتج التربية ذلك إلا إذا رُوعي فيها العدل والمساواة بين الأولاد بقدر المستطاع، ومما ورد في الوصية بهذه التسوية حديث النعمان بن بشير، وملخَّصه، كما يؤْخذ من عدة روايات في صحيح مسلم يُكمل بعضها بعضًا، أن عمرة بنت رواحة أم النعمان بن بشير سألت أباه أن يَهبه بعض ماله، فالْتَوى به سنة، أي تأخر في إجابة طلبها، ثم بدا له أن يفعل، فوهبه غلامًا، فقالت : لا أرضى حتى تُشهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على ما وهبْت لابني، فأخذ بيده، وكان يومئذ غلامًا، فأتى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فقال له : يا رسول الله، إن أم هذا بنت رواحة أعجبها أن أُشهدك على الذي وهبت لابنها، فقال له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ” يا بشير، ألك ولد سوى هذا ” ؟ قال نعم، فقال ” أكلُّهم له مثل هذا ” ؟ قال : لا، قال ” لا يصحُّ هذا، أشهد على هذا غيري، فإني لا أَشْهد على جَوْر، اتَّقوا الله واعدلوا في أولادكم، ألا يسرُّك أن يكونوا لك في البر سواء ” ؟ قال : بلى، قال ” فإني لا أشْهد ” وروى الطبراني أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال ” إن الله يحب أن تعدلوا بين أولادكم حتى في القُبَلِ، سَوُّوا بين أولادكم في العطيَّة، فلو كُنْت مفضِّلاً أحدًا لفضلت النساء على الرجال ” .

 
يقول النووي في شرح صحيح مسلم ” ج 11 ص 66 ” : فلو فضَّل بعضهم أو وهب لبعضهم دون بعض فمذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة أنه مكروه وليس بحرام، والهبة صحيحة . وقال طاووس وعروة ومجاهد والثوري وأحمد وإسحق وداود : هو حرام . واحتجُّوا برواية ” لا أشْهد على جَوْر ” وبغيرها من ألفاظ الحديث، واحتجَّ الشافعي وموافقوه بقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ” فأشْهد على هذا غيري ” قالوا : ولو كان حرامًا أو باطلاً لما قال هذا الكلام . فإن قيل : قاله تهديدًا، قلنا : الأصل في كلام الشارع غير هذا، ثم قال : وأما قوله ” لا أشْهد على جَوْر ” فليس فيه أنه حرام؛ لأن الجوْر هو المَيْل عن الاستواء والاعتدال، وكلُّ ما خرج عن الاعتدال فهو جور، سواء أكان حرامًا أو مكروهًا . وارتضى النووي أنه مكروه كراهة تنزيه، وكما قال أصحاب الشافعي : يُستحب له أن يَهب الباقين مثل الأول، فإن لم يفعل استُحبَّ رد الأول .

 
قال العلماء : ومحلُّ الحرْمة أو الكراهة في التفضيل إن لم يكن لسبب شرعي، فلو كان أحدهم مريضًا أو مدينًا لا يستطيع الكسب ولا الوفاء وحده بما يلزم فذلك جائز، ويُحمل على هذا ما ورد من تفْضيل الصحابة بعض أولادهم على بعض؛ لأنَّ أبا بكر فضَّل عائشة على غيرها من أولاده، وفضَّل عمر ابنه عاصمًا بشيء، وفضَّل عبد الله بن عمر بعض أولاده على بعض” شرح الخطيب لأبي شجاع ج 2 ص 89 ” .

 
يقول الشيخ طه حبيب عضو المحكمة العليا الشرعية الأسبق، بعد ذكر حديث النعمان وتعليق النووي عليه :
من هذا يتبين أن هِبَة الوالد لولده كلَّ ماله، أو تمييزه أحد أولاده عن بقيتهم ـ تصرف مكروه شرعًا، ولكنه مع ذلك نافذ لازم متى كان المتصرف صحيحًا غير محْجور عليه وكان التصرف منجَّزًا . أما إذا كان التصرف مضافًا إلى ما بعد الموت فإنه يُعتبر وصية . فإن كان لأجنبي نفذ من ثلث المال بعد الدَّين والتجهيز، أجاز الورثة أم لم يجيزوا، وتوقف على إجازتهم فيما زاد على الثلث، فإن أجازوا نفذ وإلا لم ينفذ، وإن كان التصرف المضاف إلى ما بعد الموت للوارث فإنه يُعتبر وصيَّة، ولا وصية لوارث إلا بإجازة بقية الورثة بعد موت المورِّث .

 
ومثل ذلك التصرُّف المنجَّز في مرض الموت للوارث، فإنه يُعتبر وصيَّة أيضًا لا تنفَّذ إلا بإجازة الورثة .
غير أن الوقف في مرض الموت على بعض الورثة فيه تفصيل، هو أنه إنْ أجاز الورثة التصرف نَفَذَ، وإن لم يُجيزوا يقسَّم الرِّيع بين الورثة جميعهم قسمة الميراث، ولا يُعمل بشرط الواقف إلا بعد انقراض الورثة جميعًا، فإن انقرضوا اتُّبع شرط الواقف .

 
وصفوة القول: أن تصرُّف المالك في ملكه نافذ من كل ماله متى كان صحيحًا غير محْجور عليه، ليس لأحد حق الاعتراض عليه، ونفاذ التصرُّف لا يمنع من أن يكون المتصرِّف ظالمًا يستوجب بهذا الظلم الإثم، إن قصد بإعطاء أحدهم الإضرار بالباقين أما إذا أعطى أحدهم جزءًا من ماله لسبب يقتضيه، كما لو كان ذا أولاد كثيرين، أو كان في حاجة إلى معونة لسبب آخر كطلب العلم، أو كان قصده أن يشجِّعه على العمل بجد واجتهاد، فإن هذا لا إثم فيه ولا حرج، وإن كان الأفضل أن يسوِّى في العطاء، حتى قال بعضهم بتسوية البنت والغلام في العطاء؛ لأن هذا شيء غير الميراث .

 
وقد علمت مما سبق أن تصرُّفات المريض والتصرفات المضافة إلى ما بعد الموت بالنسبة لبعض الورثة تُعتبر وصيَّة وعُلمت حِكْمها، وزيادة في الإيضاح نقول:
إن حق الورثة لا يَتَعلَّق بمال المورِّث إلا إذا كان مريضًا مرض الموت، وهو الذي يكون منه الموت، فلا محلَّ للقول بأن تصرُّف الرجل الصحيح الخالي من الحَجْر لسَفَهٍ أو دين ينافي حِكْمة التوْريث؛ لأن التوريث بعد الموت، والتصرُّف قبله في وقت لم يكن لأحد من الذين سيرثون عند الموت حق في مال المتصرف .
وبهذا الإيضاح يتبيَّن أن حُرْمة الملك مكفولة، والحِكْمة في التوريث محقَّقة لا تُنافى صحَّة التصرُّف الصادر من الصحيح الذي يَملكه . والله أعلم. ( مجلة نور الإسلام ” الأزهر” ص: 99ـ101).