السؤال:

أود أن أطرح سؤالا وأرجو الإجابة عليه لأني حائرة ماذا أفعل، السؤال هو: هناك ما يعرف بالتصفيح وهو عمل تقوم به بعض النساء الكبيرات في السن للبنات الصغيرات اللاتي لا تتجاوز أعمارهن الخامسة خوفا عليهن من فض غشاء البكارة حتى لو تم الاعتداء الجنسي عليهن ، وتظل كذلك حتى ليلة زفافها ( الدخلة) حيث يتم التخلص من هذا التصفيح، وإلا فلا يتمكن زوجها من معاشرتها، فهل هذا التصفيح حرام أم لا ؟ وإذا كان حراما فما ذنبي إن عملوه لي عندما كنت صغيرة في السن؟ وكيف أتخلص منه الآن ؟ أو ما واجبي نحوه ؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد  :

فإن التصفيح المشار إليه يتم غالبا ـ حسب ما علمت ـ بطريق السحر ، حيث تذهب المرأة بابنتها أو بنت أختها أو إحدى قريباتها إلى إحدى الكاهنات أو الساحرات ، أو أحد الكهنة أو السحرة، فيتم عمل مانع من الجماع عن طريق عمل أشياء وقراءة كلمات وطلاسم ويكون مع هذا استخدام الجن والشياطين، وغالبا ما يتم تلبس الجني أو الشيطان الموكل بالأمر للفتاة ، ويظل معها .

 وهناك نوع آخر من التصفيح وهو عبارة عن غلق فرج الفتاة جراحيا إلى ليلة الزفاف ، ولا يترك منه إلا فتحة صغيرة لإخراج البول .

  فإن كان التصفيح المسئول عنه هو ما علمته وذكرته : فالنوع الأول وهو ما يعمله المشعوذون أو الكهنة أو السحرة ويزعمون أنه يحفظ الفتيات والنساء من الاعتداء عليهن فهو حرام  شرعا بلا شك ،لأن التعامل مع السحرة معلوم الحرمة ، والنصوص الصحيحة تخبر أن من ذهب إلى كاهن أو عراف فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وأن من سأله ولم يصدقه فلا يقبل الله منه صلاة ولا عملا أربعين يوما ، فقد ثبت في الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : ” من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة “، رواه مسلم . وورد في حديث آخر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : ” من أتى كاهناً فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد “، رواه أصحاب السنن وغيرهم وهو حديث صحيح .

وأما الفتاة التي قامت إحدى قريباتها بعمل التصفيح لهافلا ذنب عليها فيما عمل لها في الصغر لأن الصغير مرفوع عنه القلم فيما عمله هو فأحرى فيما عمل به وقد لا يكون راضيا به ولا عالما بحكمه وتحريمه.

 وأما واجب الفتاة نحو هذا التصفيح : فإن عليها أن تتخلص منه وتعالج نفسها بالقرآن الكريم والأدعية والأذكار الشرعية ، وحسن الصلة بربها ودعائه تعالى والاستعانة به والتوكل عليه.

ولا يجوز فك السحر بالسحر  ولا يحل لمن فعل بها ذلك أن تلجأ إلى الذي عمله من السحرة والعرافين  لفكه والتخلص منه،لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ” ليس منا من تطير أو تطير له أو تكهن أو تكهن له أو سحر أو سحر له ” . رواه الطبراني وهو حديث حسن كما قال الألباني .

وقد سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن النشرة- فك السحر بالسحر- فقال : ” هي من الشيطان “، رواه أحمد وأبو داود بإسناد جيد .

فالطريق المشروع لفك السحر وإبطاله يكون بالقرآن الكريم والأدعية الشرعيةالثابتة عن الرسول صلى الله عليه وسلم ومن ذلك قراءة واستماع سورة الفاتحة وسورة البقرة وخاصة آية الكرسي ، وسور الكافرون والإخلاص والمعوذتين. لورود الأحاديث الصحيحة بشأن هذه السور.

 كما يمكن قراءة الآيات التالية : قوله تعالى: ( وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ ) الأعراف 117-119 ، وقوله تعالى :( وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ * فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ * فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ * وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ) يونس 79-82 ، وقوله تعالى : ( قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى * قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى * فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى * قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى ) طه 65-69 .

  وهذه الآيات وإن لم يرد فيها حديث خاص بها إلا أنها مجربة، وفيها مناسبة لموضوع السحر، فلا مانع من الانتفاع بها أو بغيرها من القرآن الكريم ، وذلك لأن القرآن كله شفاء ورحمة للمؤمنين، كما ورد ذلك في القرآن الكريم  في قوله تعالى : (ونُنزِّلُ مِن القُرْآنِ مَا هُوَ شِفاءٌ ورَحْمَةٌ للمُؤمِنينَ) (الإسراء: 82) وقوله سبحانه: (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ) (فصلت:44 ).، ولما رواه مسلم في صحيحه (2200) عن عوف بن مالك الأشجعي  قال : ” كنا نرقي في الجاهلية . فقلنا : يا رسول الله كيف ترى في ذلك ؟ فقال ” اعرضوا على رقاكم . لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك ” .  وكما سبق في الفتوى التالية : قراءة القرآن على ماء للعلاج والتداوي

 كما يمكن الاغتسال بماء يضرب فيه ورق السدر وتقرأ عليها الآيات السابقة أو غيرها والأدعية والأذكار، مع الشرب منه ، وقبل ذلك المحافظة علىالصلاة فى وقتها والمحافظة على أذكار الصباح والمساء، ودوام الوضوء، وتسمية الله على كل شيء، وكثرة الاستغفار والتسبيح والصلاة على النبي ـ صلى الله عليه وسلم.
  ثم إن هذا التصفيح ربما شجع على الفاحشة إن كانت البكارة  تبقى رغم الممارسة أو الاعتداء.

 وأما أولياء أمور الفتيات وخاصة الأمهات اللاتي يقم بهذا الأمر فعليهن التوبة والرجوع إلى الطريق القويم والتمسك بشرع الله تعالى، والمحافظة على فتياتهن بغرس الفضيلة في نفوسهن وتنشئتهن على العفة والطهر والحياء منذ نعومة أظفارهن ، وأن يجنبنهن التبرج والاختلاط السافر وكل ما يؤدي بهن إلى الفاحشة أو يغري الفسقة بالاعتداء عليهن .

 وعلى جميع المسلمين السعي في توعية المجتمعات بأمورهم الشرعية وتحذيرهم من أعمال المشعوذين والدجالين، وأن يسعى كل مسلم في حماية أولاده بتعليمهم أمور الشرع وصيانتهم.

*وأما النوع الثاني: فهو اعتداء على الفتيات وإيذاء بغير ضرورة ، لأن حسن التربية والتنشئة على العفة يغني عنه، فهو أيضا غير جائز.

ومن الحقوق التي كفلها الإسلام للطفل حق التعليم، فأوجب على الآباء والأمهات وسائر الأولياء تعليم الصغار ما يلزمهم بعد البلوغ ، فيعلم الصغير ما تصح به عقيدته منإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وما تصح به عبادته، فيعرفه ما يتعلق بصلاته وصيامه وطهارتهونحوها ، وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ” مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين ، واضربوهم عليها وهم أبناءعشر سنين ، وفرقوا بينهم في المضاجع.” ويعرفه تحريم الزنا والسرقة وشرب المسكر والكذب والغيبة وشبهها ، كمايعلمه أنه بالبلوغ يدخل في التكليف ، ويعرفه ما يبلغ به ، وقيل : هذا التعليم مستحب، ونقلالرافعيعن الأئمة وجوبه علىالآباء والأمهات ، وهذا ما صححهالنووي .

ودليل وجوب تعليم الصغير قول الله تعالى : ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا  )التحريم:6، قالعلي بن أبي طالبرضي الله عنهومجاهد وقتادة: معناه علموهم ما ينجون به منالنار. وهذا ظاهر ، وثبت فيالصحيحين عنابن عمررضي الله عنهما عنرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: كلكم راع ومسؤول عن رعيته. قال القاضيأبو بكر بنالعربي: إن الصبي أمانة عند والديه ،وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية عن كل نقش وصورة ، وهو قابل لكل نقش، وقابللكل ما يمال به إليه ، فإن عُوِّد الخير وعُلِّمه نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة، يشاركه في ثوابه أبواه وكل معلم له ومؤدب ، وإن عود الشر وأهمل شقي وهلك ، وكانالوزر في رقبة القيم به والولي عليه ، ومهما كان الأب يصون ولده من نار الدنيافينبغي أن يصونه من نار الآخرة وهو أولى ، وصيانته بأن يؤدبه ويهديه ويعلمه محاسنالأخلاق، ويحفظه من قرناء السوء ، ولا يعوده التنعم ، ولا يحبب إليه الزينة وأسبابالرفاهية فيضيع عمره في طلبها إذا كبر ويهلك هلاك الأبد ، وينبغي أن يعلمه أيضاً منأمور الدنيا ما يحتاج إليه من السباحة والرمي وغير ذلك مما ينفعه في كل زمان بحسبه، قالعمررضي الله عنه : علموا أولادكم السباحة والرماية ،ومروهم فليثبوا على الخيل وثباً . كما يجب على الولي تأديب الصغار بالآداب الشرعيةالتي تغرس في نفس الطفل الأخلاق الكريمة والسلوك القويم ، كالأمر بأداء الصلاةوغيرها مما هو في طوقه.

والله أعلم .