السؤال:

عقد شاب نكاحه على فتاة وبعد مدة قالت أم الشاب إنها أرضعت تلك الفتاة، حيث إن الأم تقول إنها أرضعت الفتاة بعد أن طلقت من أبيه وتزوجت برجل آخر، فهل يجوز المضي في هذا الزواج، أفيدونا؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..

فشهادة المرأة الواحدة مقبولة في مسائل الرضاع على الراجح من أقوال أهل العلم، ومن ثَم فإن الشاب المذكور في السؤال يكون أخاً من الرضاعة للفتاة المذكورة من جهة الأم، فيحرم عليه أن يتزوجها لعموم قوله تعالى: {وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ } ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب).

 هذا خلاصة ما جاء في فتوى فضيلة الدكتور حسام عفانه –أستاذ الفقه وأصوله بجامعة القدس بفلسطين- وإليك نص فتواه:

يقول الله تعالى عند ذكر المحرمات في النكاح { وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ} سورة النساء الآية 23، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة) رواه البخاري ومسلم، وفي لفظ عند النسائي: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب).

وجاء في صحيح البخاري عن عقبة بن الحارث قال: تزوجت امرأة فجاءتنا امرأة سوداء فقالت أرضعتكما، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت تزوجت فلانة بنت فلان فجاءتنا امرأة سوداء فقالت لي إني قد أرضعتكما وهي كاذبة، فأعرض عني فأتيته من قبل وجهه، قلت إنها كاذبة، قال: كيف بها وقد زعمت أنها قد أرضعتكما؟ دعها عنك).

وفي رواية أخرى للبخاري عن عقبة بن الحارث أنه تزوج ابنة لأبي إهاب بن عزيز، فأتته امرأة فقالت قد أرضعت عقبة والتي تزوج. فقال لها عقبة ما أعلم أنك أرضعتني ولا أخبرتني. فأرسل إلى آل أبي إهاب يسألهم فقالوا ما علمنا أرضعت صاحبتنا. فركب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة فسأله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( كيف وقد قيل ). ففارقها، ونكحت زوجاً غيره، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [( قوله كيف وقد قيل ) فإنه يشعر بأن أمره بفراق امرأته إنما كان لأجل قول المرأة أنها أرضعتهما فاحتمل أن يكون صحيحاً فيرتكب الحرام فأمره بفراقها احتياطاً على قول الأكثر، وقيل بل قبل شهادة المرأة وحدها على ذلك] فتح الباري 4/374.

وجاء في رواية أخرى عن عبد الله بن أبي مليكة قال: سمعت عقبة بن الحارث، وحدثني صاحب لي، وأنا لحديث صاحبي حافظ، قال: تزوجت أم يحيى بنت أبي إهاب، فدخلت علينا امرأة سوداء، فزعمت أنها أرضعتهما جميعاً، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأعرض عني، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأعرض عني، فذكرت ذلك له فأعرض عني، فقلت: إنها كاذبة، فقال:( وما يدريك أنها كاذبة؟ وقد قالت ما قالت، دعها عنك) رواه الطبراني في المعجم الكبير. والحديث صحيح كما في إرواء الغليل للعلامة الألباني 7/225.

إذا تقرر هذا فإن الشاب المذكور في السؤال يكون أخاً من الرضاعة للفتاة المذكورة من جهة الأم، فيحرم عليه أن يتزوجها لعموم قوله تعالى: {وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ } ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب).

وقد ورد في شرح الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية للأبياني، في شرح المادة رقم (376) ما نصه: [وكذا لا يجوز للرجل أن يتزوج أخته من الرضاعة سواءً كانت شقيقةً بأن رضعا من امرأة كان سبب اللبن الذي رضعا منه واحداً أو كانت أختاً له لأب بأن رضع الصبي من امرأة ورضعت الصبية من امرأة أخرى كان السبب نزول اللبن لهما رجلاً واحداً بأن كان زوجاً لهما. أو كانت أختاً له من الأم بأن أرضعت امرأة غلاماً ثم طلقت من زوجها وتزوجت بآخر فولدت منه وأرضعت بنتاً من اللبن الذي تسبب في وجوده عندها الزوج الثاني ]2/56.

ولا بد هنا من التنبيه على أمرين هامين:

أولهما:ينبغي الأخذ بالاحتياط في مسائل التحريم، ومنها مسألة الرضاع، وخاصة أن الدخول لم يتم، وقد قرر الفقهاء القاعدة الفقهية التي تقول: الاحتياط في باب الحرمة واجب، كما في المبسوط للسرخسي30/296.

فالحل والحرمة حكمان شرعيان فالحلال ما أحله الشرع بدليله، والحرام ما حرمه الشرع بدليله، فإذا لم يقم الدليل على الراجح على الحل أو الحرمة، واشتبه الأمر على المكلف، فالأصل التوقف والبناء على الأحوط للدين والبعد عن الشكوك والتهمة والريبة، وتغليب جانب الحرمة؛ لأنه المتيقن.

ويؤيد هذه القاعدة ما ورد في الحديث عن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دع ما يريبك إلى مالا يريبك فإن الصدق طمأنينة وإن الكذب ريبة) رواه ابن حبان في صحيحه والترمذي وقال:حسن صحيح، وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن النسائي 3/239.

فمن شك في شيءٍ من الأقوال والأعمال هل هو حلال أم حرام؟ فليتركه تورعاً ويبني أمره على اليقين البحت والتحقيق الصرف، ويكون على بصيرة في دينه؛ لأن ترك ما يشك فيه أصل عظيم في الورع.انظر فتح الباري 4/293.

ويدل للقاعدة السابقة ما جاء في الحديث عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب )رواه البخاري ومسلم.

ففي هذا الحديث بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن الأحكام ثلاثة أقسام: الحلال وهو بيِّن، والحرام وهو بينِّ والثالث: وهو المشتبه به لخفائه فلا يدري المكلف هل هو حلال أو حرام ؟ وما كان هذا سبيله ينبغي اجتنابه لأنه إن كان في نفس الأمر حراماً فقد بريء من تبعته وإن كان حلالاً فقد أجر على تركه بهذا القصد0انظر شرح النووي على صحيح مسلم 11/27.

وقال الإمام ابن دقيق العيد:عند شرحه للحديث السابق: [هذا أحد الأحاديث العظام التي عدت من أصول الدين وأدخلت في الأربعة الأحاديث التي جعلت أصلاً في هذا الباب وهو أصل كبير في الورع وترك المتشابهات في الدين والشبهات لها مثارات منها الاشتباه في الدليل الدال على التحريم أو التحليل وتعارض الإمارات والحجج0] إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام 4/182.

ثانيهما:إن شهادة المرأة الواحدة مقبولة في مسائل الرضاع على الراجح من أقوال أهل العلم.

قال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[‏وإذا شهدت امرأة واحدة على الرضاع حرم النكاح إذا كانت مرضية … وجملة ذلك أن شهادة المرأة الواحدة مقبولة في الرضاع إذا كانت مرضية وبهذا قال طاوس‏،‏ والزهري والأوزاعي وابن أبي ذئب‏،‏ وسعيد بن عبد العزيز … ولنا‏ ما روى عقبة بن الحارث قال‏:‏ ‏(‏تزوجتُ أم يحيى بنت أبي إهاب فجاءت أمة سوداء‏،‏ فقالت‏:‏ قد أرضعتكما فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال‏:‏ وكيف‏،‏ وقد زعمت ذلك‏)‏ متفق عليه، وفي لفظ رواه النسائي قال‏:‏ ‏(‏فأتيته من قبل وجهه‏،‏ فقلت‏:‏ إنها كاذبة قال‏:‏ كيف وقد زعمت أنها قد أرضعتكما خل سبيلها‏)‏، وهذا يدل على الاكتفاء بالمرأة الواحدة، وقال الزهري‏:‏ فرِّق بين أهل أبياتٍ في زمن عثمان رضي الله عنه بشهادة امرأة في الرضاع، وقال الأوزاعي‏:‏ فرَّق عثمانُ بين أربعةٍ وبين نسائهم‏،‏ بشهادة امرأة في الرضاع، وقال الشعبي‏:‏ كانت القضاة يفرقون بين الرجل والمرأة بشهادة امرأة واحدة في الرضاع، ولأن هذا شهادة على عورة فيقبل فيه شهادة النساء المنفردات‏،‏ كالولادة، وعلَّلَ الشافعي بأنه معنىً يقبل فيه قول النساء المنفردات فيقبل فيه شهادة المرأة المنفردة‏،‏ كالخبر‏.‏ ] المغني 8/190-191.

وقال الإمام البخاري في صحيحه:(باب شهادة المرضعة) ثم ذكر حديث عقبة بن الحارث السابق، وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [واحتج به من قَبلَ شهادة المرضعة وحدها، قال علي بن سعد: سمعت أحمد – يعني الإمام ابن حنبل – يُسأل عن شهادة المرأة الواحدة في الرضاع قال: تجوز على حديث عقبة بن الحارث، وهو قول الأوزاعي. ونقل عن عثمان وابن عباس والزهري والحسن وإسحاق، وروى عبد الرزاق عن ابن جريج عن ابن شهاب قال :” فرَّق عثمان بين ناس تناكحوا بقول امرأة سوداء أنها أرضعتهم ” قال ابن شهاب : الناس يأخذون بذلك من قول عثمان- إلى – اليوم …] فتح الباري 5/331.

وقال الإمام الشوكاني:[ … فالحق وجوب العمل بقول المرأة المرضعة حرة كانت أو أمة حصل الظن بقولها أو لم يحصل لما ثبت في رواية ” أن السائل قال: وأظنها كاذبة ” فيكون هذا الحديث الصحيح هادماً لتلك القاعدة المبنية على غير أساس أعني قولهم : إنها لا تقبل شهادة فيها تقرير لفعل الشاهد ومخصصاً لعمومات الأدلة كما خصصها دليل كفاية العدالة في عورات النساء عند أكثر المخالفين ] نيل الأوطار 6/359.

وخلاصة الأمر أنه يجب الاحتياط في مسائل التحريم، ومنها مسائل الرضاع، فلا يجوز لمن قيل إنهما رضعا من امرأة واحدة أن يتزوجا وخاصة إذا جاء الإخبار بالرضاع قبل الدخول.

والله أعلم.