السؤال:

يُوجد لُقَطَاء في بَعْضِ الملاجئ، فهل يجوز لأحد أن يَتبَنَّى أحدهم لعدم وجود ذرية له ؟

الجواب:

يُطْلَقُ لفظ التبنِّي ويُراد به أحد معنيين: الأول: أن يَضُمَّ الإنسان إليه وَلَدًا يَعرف أنه ابن غيره وينسبه إلى نفسه نِسْبَة الابن الصحيح، وتثبت له جميع حقوقه، والثاني: أن يجعل غير ولده كولده النَّسَبي في الرعاية والتربية فقط دون أن يُلْحِق به نسبه، ولا يكون كأولاده الشرعيين .

 
والثاني عمل خيري إذا دعت إليه عاطفة كريمة كحماية المُتبنَّى من الضياع لموت والديه أو غيابهما أو فقرهما مثلاً، أو لإشباع غَرِيزَةِ الأبوة والأمومة عند الحرمان منها بالذُّرية، ولا مانع منه شرعًا، بل مندوب إليه من باب الرحمة والتعاوُّن على الخير .

 
أما الأول، فقد كان معروفًا في الشرائع الوضعية قبل الإسلام، كما عَرَفَه العرب في الجاهلية وظل مُعترَفًا به في الاسلام، وبمقتضاه تبنَّى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ زيد بن حارثة، فكان يُدعي زيد بن محمد، حتى أبطله القرآن بعد الهجرة بأربع سنوات أو خمس، وكان زواج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من زينب بنت جحش مُطلَّقة زيد بن حارثة تطبيقًا لهذا الإبطال، قال تعالى ( … وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بأَفْوِاهِكُم وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهوَ يَهْدِي السَّبِيل * ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهَ فإنَّ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فإخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِه وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا ) .

 
وقد جاء في فتوى لدار الإفتاء المصرية بتاريخ 20 من ديسمبر 1979 م ما خلاصته : أن التبنِّي بمعنى استلحاق شخص معروف النسب أو مجهول النسب، ونسبته إلى مُلحِقِه مع التصريح من هذا الأخير بأن يتخذه ولدًا له حال أنه ليس بولده حقيقة، وأن التبنِّي بهذا المعنى أمر مُحَرَّم في الإسلام ” الآية السابقة “.

 
والتبنِّي غير الإقرار بالنسب، إذ إنَّ المُقِرَّ يعترف ببنوة ولد مخلوق من مائه بنوةً حقيقية، كالبنوة الثابتة بفراش الزوجية، ولكي يقع الإقرار بالنسب صحيحًا يتعيَّن توافر شروط هي :
1 ـ أن يكون الولد ـ ذكرًا أو أنثى ـ مجهول النسب لا يُعرف له أب، فإن كان معلوم النسب فلا يصح الإقرار به .
2 ـ أن يكون من الممكن أن يُولد مثل هذا الولد للمُقِر، فلو كانت سن المُقِر ثلاثين سنة مثلاً وسن المُقَر له مثل هذا أو أكثر أو أقلَّ بقدر يسير كان كذب الإقرار ظاهرًا، فلا يَثبُت به النسب .

3 ـ أن يُصدق الولد المُقِر في إقراره بالنسب إذا كان مُمَيِّزًا يُحسن التعبير عن نفسه، فإذا كذَّبه وأنكر نسبته إليه فلا يثبت نسبه منه، وإذا كان الولد لا يحسن التعبير عن نفسه، فإنه يَكفي إقرار المقر لثبوت النسب، مع مراعاة الشرطين السابقين .

 
وخلاصة ما تقدَّم : أن التبنِّي مُحَرَّمٌ بنص قاطع في القرآن الكريم، وهو المصدر الأول للأحكام الشرعية الإسلامية، وأن الإقرار بالنسب جائز ويقع صحيحًا بالشروط الموضحة .

 

وينبغي التفرِقة بين التبني وبين الإقرار بالنسب حتى لا يَختلط أمرهما، والفرق بينهما واضح من تحديد كلٍّ منهما على الوجه السابق بيانه، إذ إن التبنِّي ادِّعاء نسب لا وجود له في الواقع، أما الإقرار بالنسب فهو ادِّعاء نسب واقع فعلاً، لكنه غير ثابت بمراعاة تلك الشروط .اهـ.

 
وجاء في فتوى للمفتي نفسه صدَرت في 27 من مارس 1979 بمناسبة المبادئ العامة الخاصة بالمولودين دون زواج شرعي، ردًا على كتاب من السيد المستشار وكيل وزارة العدل لشئون التشريع :
أن الإسلام حريص في تشريعه على أن يكون الطفل الإنساني نتيجةَ صلةٍ مَشْرُوعَة هي عقد الزواج بين الرجل والمرأة … وكان من القواعد التشريعية في هذا الصدد قول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ” الولد للفِرَاش ” أي أنه متى تمَّ عقد الزواج استتْبع ثبوت النسب دون حاجة إلى دليل آخر سوى ثبوت التلاقي بين الزوجين مع صلاحيتهما الجنسية، وأن تمضي بين العقد والولادة أقلُّ مدة الحمل وهي ستة أشهر … كما أن نسب الطفل ثمرة الزنا لا يَثبُت للأب إلا باعترافه بنَسَبِه، وبشرط ألا يصرِّح بأنه ابنه من الزِّنا؛ لأن الشريعة لا تُقِرُّ النَّسب بهذا الطريق .

 
والدولة تقوم برعاية الأطفال المولودين دون عقد زواج ” اللُّقَطَاء ” وتُلحقهم بأسر بديلة تتكفَّل بتربيتهم حتى يُنَشَّأوا نشأة أسرية . غير أن الشريعة الإسلامية مع هذا لا تُقِرُّ التبنِّي بل تُحَرِّمُه. اهـ .
واللقيط صغيرٌ أو مَجْنُون ليس له كافل معلوم، فهو بهذا شخص غير منسوب لأحد، يرجع نبذه في الغالب إلى سبب غير شريف، وقد يكون بسبب الفقر أو التشوُّه أو لكونه أنثى، كما في عادات بعض البلاد الأجنبية، أو بسبب نزاع الزوجين، أو بغير ذلك .
وهؤلاء المنبوذون لابد من رعايتهم؛ لأنهم بُرَآء لا ذنب لهم، فإهمالهم ظلم والله قد حَرَّمَه؛ ولأنه يُعَرِّضُهُمْ للهلاك بالموت أو الفساد بالتشرد، وذلك ينهى عنه الدين، وقد تكون منهم شخصيات تُفِيد منهم الإنسانية .

 

وقد سخَّر الله بعض الخيِّرين في الأزمان الأولى لرعاية مثل هذه الحالات، كما حدث من زيد بن عمرو بن نفيل، وصعصعة بن ناجية في حمايتهما للبنات من وَأْدِ الجاهلية، وتقوم الحكومات الآن بِجَمْعِهِم ورعايتهم . وأمر الإسلام بأخذهم، وقرَّر الفقهاء أن الْتِقَاطَهُمْ واجب وجوبًا عينيًا إن وُجِدَ اللقيط في مكان يَغْلُبُ على الظنِّ هلاكه فيه لو تُرِكَ، وإلا كان مندوبًا، ويكون الْتِقَاطُه حينئذٍ واجبًا وجوبًا كفائيًا على المجتمع كلِّه؛ وذلك لقوله تعالى : ( وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ) . وقوله ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ) وقوله ( وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون ) . ولأنَّ في تركه تعريضًا لنفس بريئة للهلاك، وذلك مَنْهِيٌّ عنه .

 

واحتاط الإسلام لرعاية هؤلاء فشرط الفقهاء في مُلْتَقِطِه أن يكون صالحًا للرعاية، بأن يكون أمينًا حُرًا رشيدًا حسن السلوك، وأُمروا بعمل ما يصلحه جسمًا وعقلاً وخُلقًا، وجعل الإسلام للحاكم حقَّ الرقابة على من يتعهده، فيحاسبه على ما ينفقه وعلى تصرُّفه معه، وإذا رآه غير صالح نزع اللَّقِيط منه، وجعله تحت رعاية غيره إن وُجِدَ أو تحت رعاية ولِيِّ الأمر، كما قرَّر الإسلام أن الطفل المسلم لا يجوز أن يتوَلاه غير المسلم خوْفًا عليه من الفتنة .