السؤال:

اقترضت مبْلغًا من المال نظير قطعة أرض يَنتفِع بها صاحب المال حتَّى أردَّ إليْه القرْض، فهل يُعتبر ذلك من قَبِيل الرِِّبا؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فالرَّهن جعل عينٍ مُتَمَوَّلَة تحْت يد الدائن يُسْتوفى منها الدين عند تعذُّر الوفاء، وقد كان معْروفًا قبل الإسلام كوثيقة تَضْمن استيفاء الدَّيْن، وكان في الجاهلية إذا لم يُؤَدِّ الراهن المدين إلى المُرتَهِن الدائن حقَّه عند الأجل المضروب يصير الرَّهن مِلْكًا للمُرْتَهِن الدَّائن بصرْف النَّظر عن التَّفاوت بين قيمته وقيمة الدَّين .
وأقرَّ الإسْلام أصْلِ الرهن، قال تعالى ( وإنْ كُنْتُم عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَة ) ( البقرة : 283 )، ولكن جعل بيعه لسداد الدَّيْن هو شريعة العدل، ومصاريف صيانة الرهن وتكاليفه اللازمة لبقائه إن كان حيوانًا مثلاً هي على مالك الرهن على الرغم من وجوده تحت يد المُرْتَهِن الدَّائن . وكذلك ما ينتج عنه من نحو إيجار عقار أو لبن دابَّة ونحو ذلك .
وقيمة الرَّهن أو فائدته إنما هي في ضمان سداد حق المُرْتَهن . وعلى هذا لا يجوز للمُرْتَهِن أن ينتفع بأي شيء من الرَّهن . وهذا ما قاله جمهور الفقهاء ( أبو حنيفة ومالك والشافعي ) ودليلهم في ذلك حديث ” لا يُغْلَق الرَّهن من صاحبه الذي رهنه، له غُنْمُه وعليه غُرْمُه ” رواه الشافعي والدارقُطني عن أبي هريرة وقال : هذا إسناد حسن متصل، وأخرجه كذلك الحاكم والبيهقي وابن حبان في صحيحه، وابن ماجه من طريق أخرى، ولكن صحَّح أبو داود والبزَّار والدارقطني وابن القطان إرساله عن سعيد بن المسيَّب دون ذكر أبي هريرة ـ والمعروف أن الحديث المُرْسَل ما سقط منه الصحابي، أي رواه التابعي عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال في التلخيص: وله طرق في الدارقطني والبيهقي كلُّها ضعيفة، وقال في بلوغ المُراد: إن رجاله ثقات، إلا أن المحفوظ عند أبي داود وغيره إرساله. وساقه ابن حزم من طريق قاسم بن أَصْبغ وقال: إسناده حسن ـ ولفظه ” له غُنْمُه وعليه غُرْمُه ” اختلف الرواة في رفعها ـ أي إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفي وَقْفِهَا، بل قيل إنها من قول سعيد بن المسيَّب . يقال : غَلِق الرهن ـ كَفَرِحَ ـ استحقَّه المُرْتهِن، وذلك إذا لم يَفْتِكْه في الوقت المشروط فالغَلَق في الرَّهن ضدَّ الفك، فإذا فَكَّ الرَّاهن الرهن فقد أطلقه من وَثَاقه عند مُرتَهِنه .
فإذا لم يقُم الراهن ـ أي صاحب العين المرهونة ـ بنفقاتها كعلف الدابة مثلاً، كان للمُرتهِن أن يُنفق عليها، ويَستفيد من لبنها ومن رُكوبها بما يساوى هذه النفقة . فإذا كان الإنفاق والاستفادة بإذن صاحب العين المرهونة فلا خلاف في جواز ذلك . أما إذا كان بغير إذنه ففيه خلاف .
فقال أحمد بن حنبل وإسحاق والليث والحسن: إن المرتهِن ـ صاحب الدين ـ ينتفع بالمرهون في مقابل ما يُنفقه على صيانته وحفظه حتى لو لم يأذن مالك الرَّهن، ودليلُهم حديث أبي هريرة مرفوعًا “الظَّهر ـ أي الدابة ـ يُركب بنفقته إذا كان مرهونًا، ولبن الدَّرِّ يُشرب بنفقته إذا كان مرهونًا، وعلى الذي يَركب ويَشرب النفقة ” رواه الجماعة إلا مسلمًا والنسائي، ورواه أحمد بلفظ ” إذا كانت الدابَّة مرْهونة فعلى المُرتهِن علَفُها، ولبن الدَّرِّ يُشرب، وعلى الذي يَشرب نفقته “، وله عدة ألفاظ .

والشرط هو تَساوى الانتفاع مع النَّفقة بدليل ما وقع عند حمَّاد بن سلمة في جامعه بلفظ ” إذا ارتُهن شاة شرِب المُرْتهن من لبنها بقدر عَلَفِها، فإنِ استَفْضَل من اللَّبن بعد ثمن العلف فهو ربا ” .
والجمهور يشترطون إذْن الرَّاهن في انتفاع المرتهن بالمرهون مقابل الإنفاق عليه، بدليل حديث ابن عمر عند البخاري وغيره بلفظ ” لا تُحلَب شاة امرئ بغير إذنه ” لكن هذا الحديث عام في كل مملوك، لا يجوز لغير المالك الانتفاع به إلا بإذن . وحديث الرهن خاص فيُحمل العامُّ على الخاص، ومن أجل التوفيق بين النصوص قال الأوزاعي والليث وأبو ثور: يُحمل الحديث الذي يدلُّ على جواز انتفاع المُرتهِن بالرَّهن على ما إذا امتنع الراهن من الإنفاق على المَرْهون .
وما دام الموضوع خلافيًّا فيُمكن أن نوجِزَ ما نختارُه على الوجْه الآتي:
1 ـ الرَّهنُ الذي لا يحتاج إلى صيانة وتكاليف كالأرض والمَتاع لا يَجوز انتفاع المُرتهِن بشيء منه، فإن كان هناك استغلال لصالحه أو لصالح غيره من الناس فيُحسب ذلك من أصل الدَّين على أن يَأْذَن صاحبُ الرَّهن في ذلك فإن لم يأذن له فلا يجوز مطلقًا .
2 ـ وإن كان الرَّهن يحْتاج إلى صيانة وتكاليف، فإن قام بها صاحب الرَّهن فلا يجوز للمرتهن أن ينتفع بشيء منه، فلصاحبه غُنْمه وعليه غُرْمه، أما إذا امتنع صاحب الرَّهن عن الإنفاق عليه، فمِنْ أجْل عدم ضياع المال ولحماية الثروة كان للمُرْتهن أن يقوم بالإنفاق وينتَفِع بالمُرْهون بقدْر ما أَنفق عليه، فإن زاد على النَّفقة فهو لحساب صاحب الرهن، ولا يَجوز للمُرْتهن أخذه؛ لأنَّه يدْخل في باب الرِّبا .
ومثل ذلك ما إذا أَذِنَ صاحبُ الرَّهن للمُرتهِن أن يُنفق على المرهون ويَنتفع منه بقدْر النفقة .
” نيل الأوطار للشوكاني ج 5 ص 248 ـ 250 ” .
هذا، وجاء في فتوى للشيخ محمد بخيت المطيعي .
” المجلد الأول من الفتاوى الإسلامية ص 112 ” وفي فتوى للشيخ عبد المجيد سليم ” المجلد الثالث من الفتاوى الإسلامية ص 955 ” اتِّفاق الفقهاء على حُرمة انتفاع المرْتهن بالرَّهن بدُون إذْن الراهن، واختَلفت كلمتهم في حِلِّ انتفاعه بإذنه، ونُقل عن جواهر الفتاوَى أنه إذا كان الانتفاع مشروطًا صار قرْضًا فيه منفعة وهو ربا، وإلا فلا بأس. ثم ذكر أن الفقهاء قالوا : إن المعروف عُرفًا كالمشروط شرطًا .

والله تعالى أعلم