السؤال:

ما حكم الدين في إعلام الناس عن موت أحد الأشخاص باستخدام مُكَبِّرَاتِ الصوت بالمساجد؟

الجواب:

يقول الله سبحانه : (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ . رِجَالٌ لا تُلْهِيهُمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ) (سورة النور : 36، 37) وروى مسلم أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال “مَنْ سَمِعَ رجلاً يُنْشِدُ ضالَّةً في المسجد فَلْيَقُلْ لا رَدَّهَا الله إليك ، فإن المساجد لم تُبْنَ لهذا” وروى النسائي والترمذي بطريق حسن أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: “إذا رأيتم مَنْ يَبيع أو يبتاع ـ أي يشتري ـ في المسجد فقولوا له: لا أَرْبَحَ الله تجارتك”.
يؤخذ من هذه النصوص أن المساجد بيوت الله جُعلت للعبادة وعمل الخير، وينبغي أن يتوافر فيها الهدوء حتى لا يكون إيذاءٌ أو مضايقة للمتعبِّدينَ فيها، كما ينبغي أن تُصَانَ حُرْمَتُهَا ولا يُزَاوَلَ فيها ما يُخِلُّ بكرامتها، كالتخاصم والنداء على الأشياء المفقودة وغيرها.
فإذا لم يكن شيء من ذلك جاز رفع الصوت في المسجد، وجاء في شرح النووي لصحيح مسلم ” ج 5 ص 55″ أن أبا حنيفة ومحمد بن مسلمة من أصحاب مالك أَجَازَا رفع الصوت فيه بالعلم والخصومة ـ أي التقاضي ـ وغير ذلك مما يحتاج إليه الناس لأنه مُجْتَمَعُهُمْ ولابد لهم منه.
وقد ثبت أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يستقبل الوفود في المسجد، ويَتَلَقَّى فيه تَبَرُّعَاتِ المحسنين، ويُوزع فيه الأموال المُسْتَحَقَّةَ، بل سَمَحَ بِنَصْبِ خيمة في غزوة الأحزاب لاستقبال الجرحي وتَمْرِيضِ المجاهدين، كما سمع إنشاد الشعر فيه من حسان بن ثابت، فالحكم مَبْنِىٌّ على عدم التشويش على المصلين والمتعبدين وعدم الإخلال بحرمة المسجد، ولا شك أن ما سمح به الرسول كان مُرَاعًي فيه هذه الحكمة، أما ما منعه كالتجارة ونُشدان الضالة فكان مراعي فيه أنه يتنافى مع هذه الحكمة، ومعروف أن البيع والشراء فيه مُساومة وكلام يشوش على مَنْ في المسجد، وكذلك نشدان الضالة فيه مساومة على الجعل الذي يدفع عند إحضار الصلاة، وفيه استفسار عن مواصفاتها.
والاستدلال على المنع بقوله تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ للهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا) (سورة الجن: 18) لا مَحَلَّ له هنا، لأن الآية وَارِِدَةٌ فِيمَنْ يُشركون مع الله غيره في العبادة، كما كان المشركون يفعلون ذلك في المسجد الحرام عندما كان مملوءًا بالأصنام .
والسيوطي في كتابه “الحاوي للفتاوى” وَضَّحَ ذلك بما لا يحتاج إلى مزيد، وقال: نَصَّ النووي في شرح المُهَذَّبِ على أنه يُكْرَهُ رفع الصوت بالخصومة في المسجد ولم يحكم عليه وكذا رفع الصوت بالقراءة والذكر إذا آذَى المصلين ، والقيام نصوا على كراهته لا تحريمه، والحكم بالتحريم يحتاج إلى دليلٍ واضحٍ صحيحِ الإسناد غيرِ مُعارض، ثم إلى نَصٍّ من أحد أئمة المذاهب، وكلٌّ من الأمرينِ لا سبيل إليه. انتهى.
ومن هنا يمكن أن نقول: إن الإعلان عن الوفاة ليس مَصلحة شخصية بقدر ما هو مصلحة عامة، فإذا كان مُكَبِّرُ الصوت ـ الميكروفون ـ لا يشوش على المصلين والمتعبدين فلا وجه لِمَنْعِ الإعلان فيه عن الوفاة، أما إذا كان فيه تشويش فيكون ممنوعًا ودرجة المنع هي الكراهة لا الحرمة.