السؤال:

ما حكم قضاء الصلاة؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فلكل صلاة وقت لا يجوز تأخيرها عنه، وتأخير الصلاة عن وقتها كبيرة من الكبائر باتفاق العلماء، ما لم يكن التأخير بنية الجمع، وما لم يكن في حالة النوم أو النسيان، فإذا كانت هذه الصلوات فاتت عن نوم أو نسيان، فيجب صلاتها عند الذكر أو الاستيقاظ باتفاق العلماء.

أما إذا كانت هذه الصلوات فاتت في غير نوم ولا نسيان، فقد اختلف العلماء في وجوب قضائها عليه، فمذهب الفقهاء الأربعة أنه يجب قضاؤها.

وذهب طائفة من المحققين( ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية وابن حزم وابن القيم والشيخ الألباني، والشيخ القرضاوي) إلى عدم وجوبها، ولكن تجب التوبة من ذلك، والإكثار من الاستغفار والنوافل. لكن الفقهاء جميعا سواء منهم من أوجب القضاء، أو منعه متفقون على أن القضاء لا يسقط الإثم بالرغم من وجوبه عند من أوجبه، ولكن الذي يسقط الإثم هو التوبة. وعليه فعلى من فاتته بعض الصلوات عمدا في غير نوم ولا نسيان أن يكثر من النوافل والاستغفار بدلا من القضاء، كما عليه أن يندم على ما فات، ويحرص على الانتظام في الصلاة.

جاء في كتاب الثمر المستطاب للشيخ الألباني- رحمه الله-:

من أخرج صلاة عن وقتها متعمدا غير قاصد للجمع لا يشرع له قضاؤها ولا يعذر عليه أبدا لأنه كان الناسي للصلاة أو النائم عنها – وهما معذوران شرعا – ليس عليهما إلا الإتيان بها فورا حين التذكر – وهو وقتها – فأين الوقت بالنسبة إلى المتعمد ؟  لقوله عليه الصلاة والسلام : ( من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله ) فما فات لا سبيل إلى إدراكه البتة ولو أمكن أن يدرك لما سمي فائتا .[1][1]

وهو مذهب داود الظاهري وكذا ابن حزم، وقد أطال في تقرير ذلك بما لم يسبق إليه وقال: وممن قال بقولنا في هذا عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وسعد ابن أبي وقاص وسلمان( صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ) وابن مسعود والقاسم بن محمد بن أبي بكر وبديل العقيلي ومحمد بن سيرين ومطرف بن عبد الله وعمر بن عبد العزيز وغيرهم . وبه قال الحسن البصري : إذا ترك الرجل صلاة واحدة متعمدا فإنه لا يقضيها . ( الصلاة ) ( 107 )

ثم قال : ما نعلم لمن ذكرنا من الصحابة رضي الله عنه مخالفا منهم . راجع ( المحلى ) ( 2 / 235 – 244 ) .

واختار هذا شيخ الإسلام ابن تيمية فقال في ( الاختيارات ) ( ص 19 ):

وتارك الصلاة عمدا لا يشرع له قضاؤها ولا تصح منه بل يكثر من التطوع وكذا الصوم وهو قول طائفة من السلف كأبي عبد الرحمن صاحب الشافعي وداود وأتباعه وليس في الأدلة ما يخالف هذا بل يوافقه وأمره عليه السلام المجامع بالقضاء ضعيف لعدول البخاري ومسلم عنه.

ومال إليه الشوكاني فقال في قوله عليه الصلاة والسلام: ( من نسي صلاة . . . ) الحديث:

( تمسك بدليل الخطاب من قال : إن العامد لا يقضي الصلاة لأن انتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط فيلزم منه أن من لم ينس لا يصلي وإلى ذلك ذهب داود وابن حزم وبعض أصحاب الشافعي وحكاه في ( البحر ) عن ابني الهادي والأستاذ ورواية عن القاسم والناصر، قال ابن تيمية ( شيخ الإسلام ) : والمنازعون لهم ليس لهم حجة قط يرد إليها عند التنازع وأكثرهم يقولون : لا يجب القضاء إلا بأمر جديد وليس معهم هنا أمر ونحن لا ننازع في وجوب القضاء فقط بل تنازع في قبول القضاء منه وصحة الصلاة في غير وقتها ). وأطال البحث في ذلك واختار ما ذكره داود ومن معه.

والأمر كما ذكره فإني لم أقف مع البحث الشديد للموجبين للقضاء على العامد – وهم من عدا من ذكرنا – على دليل ينفق في سوق المناظرة ويصلح للتعويل عليه في مثل هذا الأصل العظيم إلا حديث : ( فدين الله أحق أن يقضى ) باعتبار ما يقتضيه اسم الجنس المضاف من العموم ولكنهم لم يرفعوا إليه رأسا وأنهض ما جاءوا به في هذا المقام قولهم : إن الأحاديث الواردة بوجوب القضاء على الناسي يستفاد من مفهوم خطابها وجوب القضاء على العامد لأنها من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى فتدل بفحوى الخطاب وقياس الأولى على المطلوب . وهذا مردود لأن القائل بأن العامد لا يقضي لم يرد أنه أخف حالا من الناسي بل بأن المانع من وجوب القضاء على العامد أنه لا يسقط الإثم عنه؛ فلا فائدة فيه فيكون إتيانه مع عدم النص عبثا بخلاف الناسي والنائم فقد أمرهما الشارع بذلك وصرح بأن القضاء لا كفارة لهما سواه. انتهى.

وجاء في كتاب ( التوبة إلى الله) للشيخ القرضاوي:

… هناك رأى آخر بالنسبة للصلاة، وقضائها، فرأى المذاهب الأربعة: وجوب قضاء الفوائت، وإن مضت عليها عشرات السنين، يقضي منها ما قدر عليه على مرور الوقت.
والرأي الآخر يقول: إن الصلاة التي تقضى ما كان فواتها عن نوم أو نسيان، كما جاء في الحديث الصحيح، وما عدا ذلك فقد انتهى وقتها، ولا يمكنه قضاؤها، وإنما عليه أن يعوض ما فاته بصلاة النوافل، وإحسان الفرائض بإتمامها كما يحب الله: ركوعها وسجودها وخشوعها.

وكأنما يعتبر هذا الرأي من بدأ الصلاة بعد إضاعتها دهرًا طويلاً، كأنه دخل الإسلام من جديد، فعليه أن يبدأ صفحة جديدة مع الله، ويستبق الخيرات، ويسارع إلى مغفرة من ربه وجنة عرضها السماوات والأرض.

والموضوع فيه كلام كثير، يرجع إليه في الجزء الأول من (مدارج السالكين) لابن القيم، وقد رجح هو وشيخه شيخ الإسلام ابن تيمية عدم القضاء، وهو الذي أميل إليه لمن ضيع من عمره سنوات لم يحن فيها ظهره لله راكعًا، أو يعفر جبهته لله ساجدًا.

والله أعلم.