السؤال:

ما هو تعليقكم على القول بأن الأصل في الأشياء الإباحة و الأصل في الأفعال التحريم ما لم يرد من القرآن و السنة ما يحرم هذه(الأشياء) أو يبيح هذه (الأفعال) ؟

الجواب:

نقول للسائل الكريم هذه قاعدة شرعية معتبرة والجملة الأولى فيها صحيحة وهى (ألأصل فى الأشياء الإباحة ) ولكن الجملة الثانية فيها تحتاج إلى تفصيل وهى (الأصل فى الأفعال التحريم) وصحتها أن الأصل فى العبادات التحريم ما لم يرد دليل بالحرمة
يقول الدكتور القرضاوى
كان أول مبدأ قرره الإسلام: أن الأصل فيما خلق الله من أشياء ومنافع هو الحل والإباحة، ولا حرام إلا ما ورد نص صحيح صريح من الشارع بتحريمه، فإذا لم يكن النص صحيحًا – كبعض الأحاديث الضعيفة – أولم يكن صريحًا في الدلالة على الحرمة بقي الأمر على أصل الإباحة.
وقد استدل علماء الإسلام على أن الأصل في الأشياء والمنافع الإباحة، بآيات القرآن الواضحة من مثل قوله تعالى:
(هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا). (البقرة: 29).
(وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعًا منه). (الجاثية: 13).
(ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرةً وباطنةً). (لقمان: 20).
وما كان الله سبحانه وتعالى ليخلق هذه الأشياء ويسخرها للإنسان ويمن عليه بها، ثم يحرمه منها بتحريمها عليه. كيف وقد خلقها له، وسخرها له، وأنعم بها عليه؟
وإنما حرم جزئيات منها لسبب وحكمة .
ومن هنا ضاقت دائرة المحرمات في شريعة الإسلام ضيقًا شديدًا، واتسعت دائرة الحلال اتساعًا بالغًا. ذلك أن النصوص الصريحة التي جاءت بالتحريم قليلة جدًا، وما لم يجئ نص بحله أو حرمته، فهو باق على أصل الإباحة، وفي دائرة العفو الإلهي.
وفي هذا ورد الحديث: (ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرّم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئًا). وتلا: (وما كان ربك نسيا). مريم: 64. (رواه الحاكم وصححه من حديث أبي الدرداء وأخرجه البزار وقال: سند صالح).
وعن سلمان الفارسي: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السمن والجبن والغراء فقال: (الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرّم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا لكم) (رواه الترمذي وابن ماجة والحاكم). فلم يشأ عليه الصلاة والسلام أن يجيب السائلين عن هذه الجزئيات، بل أحالهم على قاعدة يرجعون إليها في معرفة الحلال والحرام، ويكفي أن يعرفوا ما حرّم الله، فيكون كل ما عداه حلالاً طيبًا.
وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها، وحرم أشياءً فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها). (رواه الدارقطني من حديث أبي ثعلبة وحسنه النووي في الأربعين).
وأحب أن أنبه هنا على أن أصل الإباحة لا يقتصر على الأشياء والأعيان، بل يشمل الأفعال والتصرفات التي ليست من أمور العبادة، وهي التي نسميها: (العادات أو المعاملات) فالأصل فيها عدم التحريم وعدم التقييد إلا ما حرّمه الشارع وألزم به، وقوله تعالى: (وقد فصّل لكم ما حرّم عليكم). (الأنعام: 119). عام في الأفعال والأشياء.
وهذا بخلاف العبادات فإنها من أمر الدين المحض الذي لا يؤخذ إلا عن طريق الوحي، وفيها جاء الحديث الصحيح: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد). (متفق عليه). وذلك حقيقة الدين تتمثل في أمرين: ألا يُعبد إلا الله، وإلا يُعبد إلا بما شرع، فمن ابتدع عبادة من عنده فهي – كائنًا من كان- ضلالة ترد عليه، لأن الشارع وحدة هو صاحب الحق في إنشاء العبادات التي يُتقرب بها إليه.
وأما العادات التي يتقرب بها إليه.
وأما العادات أو المعاملات فليس الشارع منشئًا لها، بل الناس هم الذين أنشئوها وتعاملوا بها، والشارع جاء مصححًا لها ومعدلاً ومهذبًا، ومقرًّا في بعض الأحيان ما خلا عن الفساد والضرر منها.
قال شيخ الإسلام ابن تيميه: (إن تصرفات العباد من الأقوال والأفعال نوعان: عبادات يصلح بها دينهم، وعادات يحتاجون إليها في دنياهم، فباستقراء أصول الشريعة نعلم أن العبادات التي أوجبها الله أو أحبها لا يثبت الأمر بها إلا بالشرع. وأما العادات فهي ما اعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه. والأصل فيه عدم الحظر، فلا يحظر منه إلا ما حظره الله سبحانه وتعالى، وذلك لأن الأمر والنهي هما شرع الله، والعبادة لا بد أن تكون مأمورًا بها، فما لم يثبت أنه مأمور به كيف يحكم عليه بأنه محظور؟.
ولهذا كان أحمد وغيره من فقهاء أهل الحديث يقولون: إن الأصل في العبادات التوقيف، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله، وإلا دخلنا في معنى قوله تعالى: (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله). (الشورى: 21).
والعادات الأصل فيها العفو، فلا يحظر منها إلا ما حرّمه الله، وإلا دخلنا في معنى قوله تعالى: (قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حَرامًا وحلالاً). (يونس: 59).
وهذه قاعدة عظيمة نافعة، وإذا كان كذلك فنقول:
البيع، والهبة، والإجارة، وغيرها من العادات التي يحتاج الناس إليها في معاشهم – كالأكل والشرب واللباس – فإن الشريعة قد جاءت في هذه العادات بالآداب الحسنة، فحرّمت منها ما فيه فساد وأوجبت مالا بد منه وكرهت مالا ينبغي، واستحبت ما فيه مصلحة راجحة في أنواع هذه العادات ومقاديرها وصفاتها.
وإذا كان كذلك، فالناس يتبايعون ويستأجرون كيف يشاءون، ما لم تحرم الشريعة، كما يأكلون ويشربون كيف شاءوا ما لم تحرم الشريعة – وإن كان بعض ذلك قد يستحب، أو يكون مكروهًا – وما لم تحد الشريعة في ذلك حدًا، فيبقون فيه على الإطلاق الأصلي). (القواعد النورانية الفقهية تأليف ابن تيمية ص 112، 113 وعلى أساس هذه القواعد قرر ابن تيميه وتلميذه ابن القيم وعامة فقهاء الحنابلة: أن الأصل في العقود والشروط الإباحة، فكل عقد لم يرد نص بتحريمه بخصوصه، ولم يشتمل على محرم فهو حلال).
ومما يدل على هذا الأصل المذكور ما جاء في الصحيح عن جابر بن عبد الله قال: (كنا نعزل والقرآن ينزل، فلو كان شيء ينهى عنه لنهى عنه القرآن).
فدل على أن ما سكت عنه الوحي غير محظور ولا منهي عنه، وأنهم في حل من فعله حتى يرد نص بالنهي والمنع، وهذا من كمال فقه الصحابة رضي الله عنهم، تقررت هذه القاعدة الجليلة، ألا تشرع عبادة إلا بشرع الله، ولا تحرم عادة إلا بتحريم الله.