السؤال:

ما حكم التجنس بجنسية دولة غير إسلامية؟

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد :-

سئل الدكتور محمد موفق عبد الله الغلاييني – عضو مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا -: ” هل يجوز الحصول على جنسية دولة ما إذا كان ذلك يستلزم القسم على احترام قانون الدولة القائم على غير أحكام الشريعة؟ وكيف نوفق هذا مع قول الله “إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان؟

فأجاب بقوله :

“إن الأصل في حال المسلم أن يعيش في ديار الإسلام ليتمكن من القيام بأمور دينه, فإذا اضطر لمغادرة بلده فرارا بدينه، أو لطلب علم، أو رزق حلال، فلا بأس عليه بشرط أن يتقي الله في نفسه، وفيمن ولاه الله أمرهم من زوجة وولد، فإذا غلب على ظنه أنه لا يستطيع الوفاء بواجبه الإسلامي كأن يخاف على أولاده من الفتنة، فعليه الرجوع لبلده المسلم ولا يركن إلى متاع الدنيا المغري في بلاد الغرب ونحوها، وبهذا يتضح عدم وجود ضرورة عامة للحصول على الجنسية الأجنبية، أما في حال عدم قدرته على العودة لبلده لدواع أمنية: إذ يخشى على نفسه، فهنا يكون الحصول على الجنسية من أنواع الضرورة ليقي نفسه وأولاده من التشرد, والضرورة تقدر بقدرها , وكل امرئ أعرف بنفسه, فاستفت نفسك ولو أفتاك المفتون.قال سبحانه: ( بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره”.انتهى.

ويقول الدكتور يوسف القرضاوي :

أرى أن حال الأقليات المسلمة التي تعيش في مجتمعات غير إسلامية، غير حال المسلم الذي يعيش داخل المجتمع الإسلامي، فحال هذه الأقليات تقتضي التيسير عليها، والتخفيف عنها، حتى تستطيع أن تعيش بدينها بين تلك المجتمعات.

التجنيس بجنسية بلد غير إسلامي:

ومن الفتاوى التي تغيّرت بتغير الحال؛ ما يعرف بالتجنس بجنسية أجنبية، وقد رأينا رجلا كالإمام البنا يرى هذا الأمر: مُحرَّما من المحرَّمات القطعية، بل كبيرة من الكبائر الدينية، بل قد يؤدي بمرتكبه إلى الكفر الصريح، والرِّدة عن الإسلام. وكان مما قاله الأستاذ البنا:

(مجرد تجنُّس المسلم بأية جنسية أخرى لدولة غير إسلامية: كبيرة من الكبائر، توجب مَقْت الله وشديد عقابه، والدليل على ذلك ما رواه أبو داود عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من ادعى لغير أبيه أو انتمى لغير مواليه؛ فعليه لعنة الله المتتابعة إلى يوم القيامة”[1][1][6]، والآية الكريمة تشير إلى هذا المعنى، وهي قول الله تبارك وتعالى: {لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران:28]، فكيف إذا صحبه بعد ذلك واجبات وحقوق تبطل الولاء بين المسلمين، وتمزق روابطهم، وتؤدي إلى أن يكون المؤمن في صفِّ الكافر أمام أخيه المؤمن، وإن خيرا للمسلم أن يَدَع هذه الديار وأمثالها إن تعذرت عليه الإقامة فيها، إلا بمثل هذه الوسيلة وأرض الله واسعة: {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً} [النساء:100]، والله أعلم)[2][2][7]. انتهى.

ولكن الذي أراه هنا: أن أخذ الجنسية من بلد غير إسلامي يعتبر أحيانا خيانة لله ورسوله وللمؤمنين، وذلك في حالة الحرب بين المسلمين وغيرهم ممَّن يحاربون الإسلام؛ ولذا أفتى علماء تونس وقت الاحتلال الفرنسي أن أخذ الجنسية الفرنسية يُعدُّ خروجا ورِدَة عن الإسلام؛ لأنه بتجنسه باع ولاءه لوطنه، واشترى ولاءه للمستعمر، فأفتى العلماء الكبار بكفر من فعل ذلك، لأن هذه الفتوى سبيل من سبل المقاومة للاحتلال، وسلاح من أسلحة الجهاد، ولكن في الأوقات العادية نرى المسلم الذي يحتاج للسفر إلى بلاد غير إسلامية تعطيه الجنسية قوة ومَنعة؛ فلا يحق للسلطات طرده، ويكون له حق الانتخاب في المجالس البلدية والتشريعية، وانتخابات الرئاسة، مما يعطي المسلمين قوة في هذه البلاد؛ حيث يخطب المرشحون ودَّهم، ويتنافسون على كسب أصواتهم، فحمل الجنسية ليس في ذاته شرًا ولا خيرًا، وإنما تأخذ الحكم حسب ما يترتب على أخذ هذه الجنسية من النفع للمسلمين أو الإضرار بهم.

والله أعلم .

حرر هذه الفتوى حامد العطار عضو لجنة تحرير الفتوى بالموقع.