السؤال:

كنت قد قرأت سؤالا في موقع على شبكة الانترنت أجيب عليه من قبل لجنة من المختصين بأمر الفتوى، وهو: هل يجوز الجمع بين المرأة وأرملة أبيها التي دخل بها؟
وكان الجواب المنشور على الموقع هو: تحريم هذا الزواج، وكان مستند هذا التحريم هو أنه:
 لا يُجمَعُ بين امرأتين لو فرض أيهما كان ذكرًا لم تحِل للأخرى سواء أكانت الزوجية قائمة حقيقة أم حكمًا بأن كانت إحداهما أو كلتاهما في عدة، أو حتى بائنة عنـد الأحناف، ورتبوا على هذا حرمة عقد الزواج. 
 ولكن وقع في النفس منها فيها شيء، فهل أجمع الفقهاء على حرمة هذا الزواج؟ هل إذا عقد العقد كان الزواج باطلا؟ وجزاكم الله خيرا.

الجواب:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فلا أرى هناك ما يمنع من هذا الزواج، لأنَّ أكثر أهل العلم قالوا بهذا، ولم يخالف إلا الحسن وعكرمة وابن أبي ليلى فقد نقل عنهم كراهة ذلك، ولكن قول أكثر أهل العلم هو الراجح في المسألة؛ لأنه لا قرابة بينهما، وبهذا قد أفتى فضيلة الشيخ بكرى الصدفي، مفتي الديار المصرية الأسبق ـ رحمه الله ـ في  26 صفر 1325هـ هجرية عندما سئل: فى رجل تزوج بواحدة.هل تحل له زوجة أبيها أم لا؟
فأجاب قائلا:

نعم يجوز الجمع بين المرأة وزوجة أبيها ، ففي متن التنوير ما نصه وحرم الجمع نكاحا وعدة ولو من طلاق بائن ووطء ملك يمين بين امرأتين أيتهما فرضت ذكرا لم تحل للأخرى، فجاز الجمع بين امرأة وبنت زوجها. انتهى

‏ وقاعدة التحريم في الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها هي : أن كل امرأتين بينهما رحم محرم فإنه يحرم الجمع بينهما، بحيث لو كانت إحداهما ذكرًا لم يجز له التزوج بالأخري؛ لأجل النسب‏.

فالقاعدة تتحدث عن تحريم الجمع بين ذوات الأرحام وهنا لا رحم بين المرأة وزوجة أبيها، وهذا نص صاحب بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ـ وهو من أمهات كتب الحنفية :

وَيَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ امْرَأَةٍ وَبِنْتِ زَوْجٍ كَانَ لَهَا مِنْ قَبْلُ ، أَوْ بَيْنَ امْرَأَةٍ وَزَوْجَةٍ كَانَتْ لِأَبِيهَا وَهُمَا وَاحِدٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا رَحِمَ بَيْنَهُمَا فَلَمْ يُوجَدْ الْجَمْعُ بَيْنَ ذَوَاتَيْ رَحِمٍ . أهـ

وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية أن عبد الله بن جعفر لما مات علي بن أبي طالب جمع بين امرأة علي وابنته‏.‏ وعلق شيخ الإسلام على هذا فقال:

وهذا يباح عند أكثر العلماء؛ الأئمة الأربعة وغيرهم‏.‏ فإن هاتين المرأتين وإن كانت إحداهما تحرم على الأخرى فذاك تحريم بالمصاهرة لا بالرحم؛ والمعني إنما كان بتحريم قطيعة الرحم، فلم يدخل في آية التحريم لا لفظا ولا معني‏. أهـ

وسبب عدم تحريم الجمع بين المرأة وزوجة أبيها أن قاعدة التحريم لا تنطبق عليهما تمام الانطباق مثل الجمع بين المرأة وأختها، وذلك كما قال صاحب البحر الرائق شرح كنز الدقائق ـ من كتب الحنفية:

لو فرضت بنت الزوج ذكرا بأن كان ابن الزوج لم يجز له أن يتزوج بها ؛ لأنها موطوءة أبيه، ولو فرضت المرأة ذكرا لجاز له أن يتزوج ببنت الزوج؛ لأنها بنت رجل أجنبي. أهـ

فامرأة الأب لو قدرتها ذكرا جاز له التزوج بهذه الفتاة (ابنة الزوج) لأنها أجنبية، والشرط أن يصور ذلك من كل جانب.

وعلًّل ذلك صاحب العناية شرح الهداية بقوله: لأن ذلك هو المنصوص عليه، وما نحن فيه فرع عليه، فيجب أن يكون الفرع على وفاق الأصل.أهـ

هذا هو المنصوص عليه عند السادة الحنفية، وهو جواز الجمع بين المرأة وأرملة أبيها أو مطلقة أبيها، وهو أيضا قول باقي أصحاب المذاهب.

جاء في التاج والإكليل لمختصر خليل من كتب السادة المالكية:

قال ابن الحاجب: ضابط هذا كل امرأتين بينهما من القرابة أو الرضاع ما يمنع نكاحهما لو كانت إحداهما ذكرا فلا يجوز الجمع بينهما .

قال ابن الحاجب : وزيد من القرابة ليخرج الجمع بين المرأة وأم زوجها أو ابنته. أهـ

وفي مختصر المزني من كتب السادة الشافعية:

ولا بأس أن يجمع الرجل بين المرأة وزوجة أبيها، وبين امرأة الرجل وابنة امرأته إذا كانت من غيرها لانه لا نسب بينهن. أهـ

وفي المجموع من كتب الشافعية أيضا:

ويجوز أن يجمع بين المرأة وبين زوجة أبيها؛ لأنه لا قرابة بينهما ولا رضاع. أهـ

وجاء في المغني  لابن قدامة المقدسي:

لا بأس أن يجمع بين من كانت زوجة رجل وابنته من غيرها، أكثر أهل العلم يرون الجمع بين المرأة وربيبتها جائزا، لا بأس به، فعله عبد الله بن جعفر وصفوان بن أمية، وبه قال سائر الفقهاء إلا الحسن وعكرمة و ابن أبي ليلى عنهم كراهيته؛ لأن إحداهما لو كانت ذكرا حرمت عليه الأخرى فأشبه المرأة وعمتها.

ولنا قول الله تعالى : “وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ” [النساء/24] ولأنهما لا قرابة بينهما فأشبهتا الأجنبيتين، ولأنَّ الجمع حرم خوفا من قطيعة الرحم القريبة بين المتناسبين، ولا قرابة بين هاتين، وبهذا يفارق ما ذكروه.أهـ

وعلى هذا فالجمع بين المرأة وأرملة أبيها أو مطلقته جائز سواء أعقد عليهما مرتبين، أو عقد عليهما معًا، فكلا العقدين صحيح.

والله أعلم.