السؤال:

هل من العقل والحكمة ومن مقاصد الشريعة الإسلامية ما اشترطه الفقهاء في الهبة من أنها لا تصح إلا بإيجاب وقبول ، ولا تلزم إلا بقبض الموهوب له بإذن الواهب ؟ قال في بداية المجتهد : وأما الهبة فلا بد من الإيجاب فيها والقبول عند الجميع،  فما الأصح من هذه الأقوال المختلف فيها ؟ القول باشتراط القبض ؟ أم القول بعدم اشتراطه ؟  

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..

فيقول فضيلة الشيخ محمد رشيد رضا-رحمه الله-ردا على سؤال مماثل :

معنى الهبة عند الجمهور : تمليك بلا عوض ، ويرى بعضهم أنه يدخل في عمومها الإبراء من الدين والهدية والصدقة ، وإنما يخص بعض الأنواع باسم لإفادة المعنى الخاص الذي انفرد به عن سائر الأنواع ، فالصدقة هبة يراد بها ثواب الآخرة والأصل فيها أن تكون للمحتاج .

والهدية هبة يراد التودد بها إلى المُهدى إليه ، وتكون بين الأغنياء والفقراء ؛ لأن التودد يكون بين جميع أصناف الناس، والعمدة فيها العرف ؛ فما تعارف الناس عليه كان صحيحًا شرعًا ما لم يكن مخالفًا للشرع ، وتحصل بالإيجاب القولي من الواهب والقبول القولي من الموهوب له كما تحصل بالتعاطي وهو إيجاب وقبول بالفعل .

وهي تتحقق بالقبض قطعًا، وعدم القبض قد يكون ردًّا وقد يكون توانيًا، فهو جدير بأن يختلف فيه، وليس في الباب نصوص عن الشارع كلف الناس اتباعها في طرق التمليك والتملك، والحديث في هدية النبي صلى الله عليه وسلم للنجاشي جارٍ على مسألة العرف وتحقق الهبة بالفعل أو عدم تحققها ، وهو في مسند أحمد من حديث أم كلثوم بنت أبي سليمة ، وفي إسناده مسلم بن خالد الزنجي اختلف في توثيقه وتضعيفه، وأم موسى بنت عقبة ، قال في مجمع الزوائد : لا أعرفها .

وأما أثر عائشة فقد رواه مالك في الموطأ من طريق ابن شهاب عن عروة عنها ، وروى البيهقي نحوه عن مالك وغيره، وظاهر الأثر أن عائشة لم تقبل نحلة أبيها فبقيت في يده إلى أن أدركته الوفاة فذكر لها أنه يتركها إرثًا، وأن هذا ليس من باب الاعتصار ، وهو رجوع الوالد بما يهبه للولد في حياته ، وهو جائز عند أكثر الفقهاء .

وما قاله ابن رشد – من أن الهبة لا بد فيها من الإيجاب والقبول عند الجميع – فهو غير صحيح إذا أراد بهما الصيغة باللسان أو الكتابة ، فقد نقل العلماء الخلاف في ذلك كالحافظ ابن حجر والإمام الشوكاني وغيره .

والله أعلم .