السؤال:

أكتب لسماحتكم حول موضوع مهم جدًا أو حيوي بالنسبة لي في هذه المرحلة من حياتي، فأنا مهندس إنشاءات أعيش في أمريكا، وحصلت مؤخرًا علي الدكتوراة في الهندسة من بريطانيا. أتيحت لي منذ فترة قصيرة فرصة الدخول في شركة مع مهندس معماري أمريكي لتأسيس شركة هندسية في أمريكا، وقد يتطلب مني هذا الاقتراض من أحد البنوك طبعًا أنا أعرف أن هذا حرام بشكل عام، ولكن قد يكون هذا بالنسبة لي شرًا لا مفر منه وخاصة أني بذلت الكثير للحصول علي مثل هذه الفرصة، كتبت لبنك البركة الإسلامي في لندن فرد لي الجواب بعد أربعة أشهر !!!؟ وكان جوابًا غير واضح ومعضلاً فكتبت له مرة أخري فلم يرد علي مرة أخري!! لقد طرقت جميع الأبواب واستنفدت جميع الوسائل دون فائدة. أنا شاب طموح ولا أريد أن أضيع هذه الفرصة. فنيتي سليمة، وأريد أن أصبح غنيًا، لأساعد هذه الأمة المنكوبة بالمصائب، لا لكي أعيش في برج عاجي لا يأبه بالآخرين، كما يفعل الكثيرون من أغنياء هذه الأمة المغلوبة علي أمرها. إنني أنتظر جواب سماحتكم بفارغ الصبر.. جزاكم الله عنا خير الجزاء. والسلام عليكم ورحمة الله!!

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد
لا حرج علي المسلم أن يطلب الغني ويسعي إليه، فالغني في نظر الإسلام ليس جريمة ولا رذيلة، والمال ليس شرًا، ولم يرد في الإسلام ما ورد في المسيحية: إن الغني لا يدخل ملكوت السموات حتى يلج الجمل في سم الخياط.

بل امتن الله تعالي علي رسوله فقال: (ووجدك عائلاً فأغني). (الضحي: 8).
وكان من دعاء النبي – صلي الله عليه وسلم- : “اللهم إني أسألك الهدي والتقي والعفاف والغني”. (رواه مسلم في باب الذكر 4 / 2721 كما جاء في الترمذي وابن ماجة ومسند أحمد بن حنبل)
وروي عن سعد بن أبي وقاص: “إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي”. (رواه مسلم في باب الزهد جـ4 (92265) وابن حبان جـ1 / 168).
وقال لعمرو بن العاص: “نعم المال الصالح للمرء الصالح”. (رواه أحمد بسند جيد، والحاكم وصححه).
ولكن أحب أن أضع أمام السائل جملة حقائق:
 1ـأن المال – وإن لم يكن شرًا – فهو فتنة يخشي منها، وقد قال تعالي: (إنما أموالكم وأولادكم فتنة) (التغابن: 15). وخصوصًا إذا رأي صاحب المال أنه استغني بماله عمن سواه (كلا إن الإنسان ليطغي. أن رآه استغني) (العلق: 6،7)

2 ـأن الغني المادي ليس هو كل شيء، فقد يملك الإنسان الملايين وهو فقير النفس. وفي الحديث الصحيح: “ليس الغني عن كثرة العرض إنما الغني غني النفس”. (البخاري 8/ 118 ومسلم: الزكاة ب.4 (120) وغيرهما) .
ويروي عن علي بن أبي طالب:  يعز غني النفس إن قل ماله ويغني غني المال وهو ذليل!
والحكمة تقول: قليل يكفيك خير من كثير يلهيك.

3 ـأن بعض الناس يزعم في نفسه أو يزعم للناس بل قد يعاهد الله أنه حين يحصل علي الغني سيفعل ويفعل. ولكنه عندما تتحقق أمنيته ينكث بعهده، وينكص عن وعده، وهذا شأن المنافقين الذين حدثنا الله عن نموذج منهم في سورة التوبة فقال: (ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين. فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون) (التوبة: 75، 76). والمسلم يحذر أن يصيبه رذاذ من النفاق ويسأل الله البراءة منه.

4  ـأن خطر الحرص علي الغني قد يجعل الإنسان يستعجله قبل أوانه. وأحكام الله القدرية والشرعية: أن من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه.
كما أن شدة الحرص قد تجعله يفرط أو يتساهل فيما لابد منه شرعًا. والذي لابد منه أن تراعي شروط اكتساب المال، وشروط تنميته، وشروط إنفاقه. فمن الواجب المؤكد أن يكتسب من حله، وأن ينفق في حقه، وألا يبخل به عن حقه. ومراعاة هذا كله من أصعب ما يكون علي النفس.

وفي ضوء هذه الحقائق ننظر إلي سؤال الأخ الذي يريد أن يبدأ حياته الاقتصادية بالدخول في الفوائد، التي أجمعت المجامع العلمية الإسلامية علي أنها هي الربا الحرام.
ولكنه يبيح ذلك لنفسه بدعوي أنه شر لابد منه، وأنه مضطر إلي ذلك. ليصل إلي المستوي الذي رسمه لنفسه، فهو يعتبر ذلك (ضرورة) تجيز له التعامل بالربا أخذًا وعطاء فهل صحيح أن هذه حالة ضرورة؟

تنبيه لابد منه حول دعوي الضرورة:
إن هناك قاعدة لا خلاف عليها، وهي: أن للضرورات أحكامها المقررة شرعًا، وكما أباحت الضرورة للأفراد أن يأكلوا الميتة والدم ولحم الخنزير عند المخمصة، كما صرح بذلك القرآن الكريم فإنه قيدها بأن يكون غير باغ ولا عاد (فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم) (المائدة: 3

 ( فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم) (البقرة: 173)

ومن هنا قرر الفقهاء قاعدة أخري مكملة، وهي أن ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها وإلا كان باغيًا أو عاديًا.
وبعد ذلك هناك أمور ثلاثة لابد من رعايتها:
الأول:أن تتحقق الضرورة بالفعل، ولا يكون ذلك مجرد دعوي لاستحلال الحرام الصريح، ولذلك شواهده ودلائله عند أهل العلم والبصيرة، ويسأل في ذلك عدول أهل الذكر والخبرة في شئون المال والاقتصاد، ممن لا يتبعون الهوي، ولا يبيعون الآخرة بالأولي (ولا ينبئك مثل خبير). (فاطر: 14)

الثاني:أن تغلق أمام المضطر فردًا أو حكومة أبواب الحلال كلها مع محاولة طرقها، وألا توجد بدائل شرعية تسد الحاجة، ويمكن الاستفادة منها للخروج من حد الضرورة وضغطها القاهر، فأما إذا وجدت البدائل، وفتح باب للحلال، فلا يجوز اللجوء إلي الحرام بحال.

الثالث: ألا يصبح المباح للضرورة، أصلاً وقاعدة، بل هو استثناء مؤقت، يزول بزوال الضرورة. ولهذا أضاف العلماء إلي قاعدة “الضرورات تبيح المحظورات” قاعدة أخري مكملة وضابطة لها، وهي التي تقول: “ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها”. وهي مأخوذة من قوله تعالي: (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه) ومن تجاوز حد الضرورة زمانًا أو مقدارًا، فقد بغي وتعدى.

إن خيرًا للأخ السائل الطموح أن يسلك سبيل التدرج، وهو سنة من سنن الله في الكون والشرع، وأن يصعد السلم من أوله درجة درجة، ولا يقفز علي الواقع، ويحاول أن يطوي المراحل كلها في خطوة واحدة، فقد لا يوصله ذلك إلا إلي خسارة الدين، وضياع الدنيا معًا.

والله أعلم