السؤال:

إذا ارتكب شخص جريمة الزنا وتاب إلى الله فهل يسقط الحد بالتوبة، وإذا رأه شخص هل الواجب أن يبلغ عنه أو أن يستر عليه،وإذا وصل الأمر للدولة فهل يجوز العفو عنه إذا أعلن توبته.
أرجو لو تكرمتم التفصيل في موضوع سقوط الحدود بالتوبة أم لا تسقط.

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :-

أثر التوبة في سقوط الحدود :

الأفضل لمن وقع في معصية توجب الحد كالزنا وغيره أن يستتر بستر الله، وأن يتوب بينه وبين الله، وأن لا يرفع أمره إلى الإمام، والأفضل لمن رآه أن يستره إلا إذا كان مجاهرا بالمعاصي محترفا للذنوب فالأفضل في حق من رآه أن يبلغ عنه لاستئصال شره.

وأما من أقيمت عليه البينة بعد أن رفع أمره إلى إمام المسلمين فلا سبيل إلى العفو عنه؛ لأن هذا الباب إذا فتح تعطلت الحدود، وادعى كل من ضبط متلبسا أنه تاب لينجو من العقوبة.

وأما من أقر بمعصيته، وذهب إلى الإمام معلنا أنه عصى، من غير أن يكون هناك إثبات سوى إقراره، وظهرت منه أمارات التوبة النصوح فللإمام أن يعفو عنه إذا شاء، فإذا اختار المذنب إقامة الحد فعلى الإمام أن يجيبه إلى طلبه.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:-

العقوبات التي تقام من حد أو تعزير إما أن يثبت سببها بالبينة مثل قيام البينة بأنه زنى أو سرق أو شرب فهذا إذا أظهر التوبة لم يوثق بها، ولو درئ الحد بإظهار هذا لم يقم حد؛ فإنه كل من تقام عليه البينة يقول: قد تبت، وإن كان تائبا في الباطن كان الحد مكفرا وكان مأجورا على صبره.
وأما إذا جاء هو بنفسه فاعترف وجاء تائبا فهذا لا يجب أن يقام عليه الحد في ظاهر مذهب أحمد نص عليه في غير موضع وهي من مسائل التعليق، واحتج لهذا بعدة أحاديث ،وحديث الذي قال : { أصبت حدا فأقمه علي فأقيمت الصلاة } يدخل في هذا لأنه جاء تائبا، وإن شهد على نفسه كما شهد به ماعز، والغامدية وإذا اختار إقامة الحد أقيم عليه وإلا فلا . كما في حديث ماعز : { فهلا تركتموه ؟ } والغامدية ردها مرة بعد مرة . فالإمام والناس ليس عليهم إقامة الحد على مثل هذا ؛ ولكن هو إذا طلب ذلك أقيم عليه كالذي يذنب سرا ،وليس على أحد أن يقيم عليه حدا : لكن إذا اختار هو أن يعترف ويقام عليه الحد أقيم وإن لم يكن تائبا، وهذا كقتل الذي ينغمس في العدو هو مما يرفع الله به درجته كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : { لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله } .

وقد قيل في ماعز إنه رجع عن الإقرار، وهذا هو أحد القولين فيه في مذهب أحمد وغيره ؛ وهو ضعيف والأول أجود . وهؤلاء يقولون : سقط الحد لكونه رجع عن الإقرار ويقولون رجوعه عن الإقرار مقبول وهو ضعيف ; بل فرق بين من أقر تائبا، ومن أقر غير تائب فإسقاط العقوبة بالتوبة – كما دلت عليه النصوص – أولى من إسقاطها بالرجوع عن الإقرار ; والإقرار شهادة منه على نفسه ; ولو قبل الرجوع لما قام حد بإقرار فإذا لم تقبل التوبة بعد الإقرار مع أنه قد يكون صادقا .انتهى.

ويقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي:-

أود أن ألفت النظر إلى حقيقة مهمة في أمر الحدود، وهي: أن الإسلام لا يركض وراء إقامة الحد، ولا يتشوف إلى تنفيذ العقوبة، فيمن اقترف ما يستحقها، ولا يضع أجهزة للتصنت على العصاة، أو ينصب لهم “كاميرات” خفية تصورهم حين ارتكاب جرائمهم، ولا يسلط الشرطة الجنائية أو “المباحثية” تتجسس على الناس المخالفين للشرع، حتى تقبض عليهم متلبسين!!
بل نجد توجيهات الإسلام هنا حاسمة كل الحسم في صيانة حرمات الناس الخاصة، وتحريم التجسس عليهم، وتتبع عوراتهم، لا من قبل الأفراد، ولا من قبل السلطات الحاكمة.

روى الحاكم عن عبد الرحمن بن عوف: أنه حرس ليلة مع عمر بالمدينة فبينما هم يمشون شب لهم سراج في بيت، فانطلقوا يؤمونه (أي يقصدونه) حتى إذا دنوا منه، إذا باب مجاف (أي مغلق) على قوم، لهم فيه أصوات مرتفعة، فقال عمر – وأخذ بيد عبد الرحمن – : أتدري بيت من هذا؟ قال: لا، قال: هذا بيت ربيعة بن أمية بن خلف، وهم الآن شرب (أي يشربون الخمر) فما ترى؟ قال عبد الرحمن: أرى أنا قد أتينا ما نهى الله عنه: نهانا الله عز وجل، فقال: (ولا تجسسوا) (الحجرات: 12)، فقد تجسسنا! فانصرف عمر عنهم وتركهم” (رواه الحاكم في المستدرك: 377/4، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي).

وروى أبو داود والحاكم أيضًا عن زيد بن وهب، قال: أتى رجل ابن مسعود، فقال: هل لك في الوليد بن عقبة، ولحيته تقطر خمرًا؟! فقال: إن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – نهانا عن التجسس؛ إن يظهر لنا نأخذه. (رواه الحاكم وصححه وسكت عليه الذهبي: 377/4، وأبو داود في الأدب – 4890).

وروى أيضًا عن أربعة من الصحابة: جبير بن نفير، وكثير بن مرة، والمقدام بن معد يكرب، وأبي أمامة الباهلي – رضي الله عنهم – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: “إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم” (رواه أبو داود في الأدب – 4889 – كما رواه الحاكم أيضًا وسكت عليه هو والذهبي: – 378/4 – وذكره في صحيح الجامع الصغير برقم – 1885 – ونسبه أيضًا إلى أحمد والطحاوي)..

بل نرى التعاليم النبوية الصريحة ترغب أبلغ الترغيب في ستر المسلم على نفسه، وعلى غيره.

وعن ابن عمر – رضي الله عنهما – : أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بعد أن أقام الحد على ماعز الأسلمي، قام فقال: “اجتنبوا هذه القاذورة، التي نهى الله عنها، فمن ألم (أي تورط في شيء منها) فليستتر بستر الله، وليتب إلى الله، فإنه من يبد لنا صفحته (أي يكشف عن جريمته) نقم عليه كتاب الله” (رواه الحاكم وسكت عليه، وأشار الذهبي إلى أنه على شرط الشيخين – 383/4). يعني: حكم الله، وكان الرسول الكريم قد أقام الحدّ على ماعز، بعد أن جاء إليه أربع مرات مقرًا بجريمته، وبعد أن حاول النبي – صلى الله عليه وسلم – أن يبعد عنه التهمة، ويلقنه ما يدل على عدم استيفاء أركان الجريمة، ولكنه أصر، ومثله المرأة الغامدية.

وقد جاء عن أبي بردة عن أبيه قال: كنا أصحاب محمد نتحدث لو أن ماعزًا وهذه المرأة، لم يجيئا في الرابعة، لم يطلبهما رسول الله – صلى الله عليه وسلم – . (رواه الحاكم وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي – 383/4 – والمعنى متفق عليه من حديث ابن عمر).
وقال لهزّال – الذي دفع ماعزًا للاعتراف عند النبي – صلى الله عليه وسلم – : لو سترته بثوبك لكان خيرًا لك” (ذكره الذهبي في تلخيص المستدرك – 385/4 – وقال: صحيح، وقد سقط الحديث من الأصل المطبوع، والظاهر أن الحاكم رواه وصححه).

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : “من ستر أخاه المسلم في الدنيا، ستره الله في الدنيا والآخرة” (رواه أبو داود في كتاب الحدود برقم – 4377 – ونسبه المنذري للنسائي، ورواه الحاكم أيضًا وصححه ووافقه الذهبي – 363/4).

وعنه عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: “لا يستر عبد عبدًا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة” (رواه الحاكم وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي – 384/4).
فإذا كان الحديث السابق في مثوبة ستر المسلم على المسلم، فهذا الحديث عام في ستر الإنسان على الإنسان: ستر أي عبد من عباد الله على آخر.

وعن كثير مولى عقبة بن عامر: أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: “من رأى عورة فسترها، كان كمن استحيا موءودة من قبرها” (رواه أبو داود في الأدب – 4891 – كما رواه الحاكم، وصححه، ووافقه الذهبي – 384/4).

وكذلك نجد التوجيهات الإسلامية صريحة في التحريض على العفو والصفح فيما كان من الحدود متعلقًا بحقوق العباد، مثل السرقة، بشرط ألا تصل إلى سلطة القضاء. فهناك لا مجال لعفو ولا شفاعة.

وفي هذا جاء حديث عبد الله بن عمر: “تعافوا الحدود بينكم
، فما بلغني من حد فقد وجب” (رواه أبو داود في الحدود – 4376 – والنسائي في قطع السارق، حديث – 4889 – والحاكم وصححه ووافقه الذهبي – 383/4).

وقال ابن مسعود: إني لأذكر أول رجل قطعه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : أتي بسارق، فأمر بقطعه، وكأنما أسف وجه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – (أي بدا عليه الأسف) فقالوا: يا رسول الله، كأنك كرهت قطعه؟ قال: “وما يمنعني؟ لا تكونوا أعوانًا للشيطان على أخيكم! إنه لا ينبغي للإمام إذا انتهى إليه حد إلا أن يقيمه، إن الله عفو يحب العفو: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (رواه الحاكم وصححه وسكت عليه الذهبي – 382/4، 383 – والآية من سورة النور: 22).

وكان الرجل يأتي إلى النبي – صلى الله عليه وسلم -، فيعترف بأنه أتى ما يوجب الحد، فلا يسأله عن هذا الحد: ما هو؟ وكيف اقترفه؟ بل يعتبر اعترافه هذا – الذي قد يعرضه للعقوبة – توبة من ذنبه، وندمًا على ما فرط منه، فهو كفارة له ولا سيما إذا أقام الصلاة مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – .
فقد روى أبو داود في باب “في الرجل يعترف بحد ولا يسميه” عن أبي أمامة: أن رجلاً أتى النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال: يا رسول الله، إني أصبت حدًا فأقمه عليّ. قال: “توضأتَ حين أقبلتَ”؟ قال: نعم. قال: “هل صليت معنا حين صلينا”؟ قال نعم؟ قال: “اذهب، فإن الله تعالى قد عفا عنك” (رواه مسلم مختصرًا ومطولاً، وأبو داود واللفظ له، والنسائي. كما رواه الشيخان من حديث ابن مسعود).

ومن ثم ذَهب من ذَهب من علماء السلف إلى أن من حق الإمام أو القاضي أن يسقط الحد بالتوبة إذا ظهرت أماراتها، وهو ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية والمحقق ابن القيم، وهو ما أختاره حين (نقنن) عقوبات الحدود في عصرنا.

والله أعلم.